رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
المجلس السيادي للنزاهة


المشاهدات 1673
تاريخ الإضافة 2026/06/02 - 10:05 PM
آخر تحديث 2026/06/24 - 1:14 AM

أثار قرار رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي بتشكيل «المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام» جدلاً قانونياً ودستورياً واسعاً، بعد أن طعن النائب سعود الساعدي بدستوريته، مستنداً إلى غياب السند الدستوري وسوابق المحكمة الاتحادية العليا. فهل اعتراض الساعدي في محله؟ وما الطريق الدستوري السليم إذا أرادت الحكومة المضي بهذا التشكيل؟
أولاً: لماذا يعد القرار الحالي محل شبهة دستورية؟
اعتراض النائب الساعدي يستند إلى حجتين قانونيتين قويتين، سبق للمحكمة الاتحادية أن حسمتهما:
1.  مخالفة مبدأ الفصل بين السلطات وقرارات المحكمة الاتحادية:  الدستور العراقي لم ينص على وجود «مجلس سيادي أعلى للنزاهة». والأهم أن المحكمة الاتحادية العليا حسمت الأمر سابقاً بقرارها المرقم 29/اتحادية/2019، حين أبطلت «المجلس الأعلى لمكافحة الفساد» الذي شكله رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي.  
وعللت المحكمة قرارها بأن تشكيل مجلس أعلى بقرار تنفيذي يمثل تجاوزاً على استقلالية «هيئة النزاهة» و»ديوان الرقابة المالية» المرتبطتين بمجلس النواب وفق المادتين 102 و103 من الدستور، وهو ما يخل بمبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عليه في المادة 47.
2.  غياب السند الدستوري والقانوني:  قرارات السلطة التنفيذية يجب أن تستند إلى الدستور أو القانون. والمجلس الجديد لم يرد ذكره في الدستور، ولم يُنص عليه في المنهاج الوزاري الذي صوّت عليه البرلمان، كما لم يصدر قانون من مجلس النواب بإنشائه. 
والمادة 80 من الدستور حددت صلاحيات مجلس الوزراء على سبيل الحصر، وليس من بينها استحداث هيئات عليا.  
وتؤكد المادة 94 من الدستور أن قرارات المحكمة الاتحادية باتة وملزمة لجميع السلطات، ما يعني عدم جواز تكرار المخالفة ذاتها بمسمى جديد.
ثانياً: هل يمكن إنشاء المجلس؟ نعم.. ولكن بقانون: 
هنا يجب التمييز بين «أداة الإنشاء». فالقرار الإداري الصادر من رئيس الوزراء يختلف جذرياً عن القانون الصادر من مجلس النواب.
المحكمة الاتحادية في قرارها 29/2019 لم تحرّم فكرة مكافحة الفساد، بل اعترضت على «آلية التشكيل». حيث نصت على عدم جواز التشكيل «لعدم وجود سند من الدستور أو القانون». وهذا يعني أن الباب مفتوح أمام السلطة التشريعية.
فالمادة 61 من الدستور منحت مجلس النواب حصراً صلاحية «تشريع القوانين الاتحادية»، وهو ما يعني أن إنشاء أي هيئة أو مجلس جديد يجب أن يمر عبر البرلمان.
ثالثاً: كيف يكون الحل دستورياً؟ خارطة طريق من 4 خطوات: 
إذا كانت الحكومة جادة في إنشاء هذا المجلس، فالطريق الدستوري واضح ويتلخص بما يلي:
1.  تقديم مشروع قانون: يكلف مجلس الوزراء الأمانة العامة بإعداد «مشروع قانون المجلس السيادي الأعلى للنزاهة» استناداً للمادة 60/أولاً من الدستور، ويُقدّم إلى مجلس النواب.
2.  ضوابط دستورية للمحتوى: يجب أن يتضمن مشروع القانون ضمانات واضحة حتى لا يُطعن به مجدداً، وأهمها:  
    - عدم المساس باستقلالية هيئة النزاهة المنصوص عليها في المادة 102، ويقتصر دور المجلس الجديد على رسم السياسات العامة والتنسيق.  
    - النص صراحة على عدم امتلاك المجلس صلاحيات تحقيقية أو إحالة للقضاء، لتجنب مخالفة مبدأ الفصل بين السلطات.  
    - تحديد ارتباط المجلس بمجلس النواب، أسوةً بهيئة النزاهة.
3.  التصويت في البرلمان: يُعرض المشروع للقراءة والمناقشة ثم التصويت عليه بالأغلبية البسيطة وفق المادة 59 من الدستور.
4.  المصادقة والنشر: بعد تصويت البرلمان، يُرسل إلى رئيس الجمهورية للمصادقة عليه خلال 15 يوماً، ثم يُنشر في الجريدة الرسمية ليصبح نافذاً.
رابعاً: «عدم الذكر في الدستور» ليس حجة مطلقة للمنع: يجب التوضيح أن عدم ذكر هيئة ما في الدستور لا يعني استحالة إنشائها. فجهاز المخابرات، والبنك المركزي، وهيئة الحشد الشعبي، كلها غير مذكورة في الدستور، لكنها مؤسسات قانونية لأنها أُنشئت بقوانين صادرة من مجلس النواب.
«عدم الذكر» يصبح سبباً للإبطال فقط في حالتين: إذا تعارضت الهيئة الجديدة مع نص دستوري صريح، أو إذا تم تشكيلها بقرار تنفيذي دون قانون. وقرار المحكمة الاتحادية 29/2019 أبطل المجلس السابق لاجتماع العلتين معاً: «لم يرد ذكره في الدستور و لم يصدر قانون بإنشائه».
الخلاصة:  
المشكلة ليست في «فكرة المجلس»، بل في «أداة إنشائه». الدستور العراقي يمنع السلطة التنفيذية من استحداث هيئات عليا بقرارات منفردة، احتراماً لمبدأ الفصل بين السلطات ولصلاحيات السلطة التشريعية. 
والطريق الوحيد لتحصين أي مجلس جديد للنزاهة هو عبوره من بوابة البرلمان عبر قانون يحدد صلاحياته بدقة ويحترم استقلالية الهيئات الدستورية القائمة. عدا ذلك، فإن مصيره سيكون الإبطال الحتمي من قبل المحكمة الاتحادية، استناداً إلى سوابقها .
 


تابعنا على
تصميم وتطوير