رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حكاية تمرد في مصر القديمة


المشاهدات 1225
تاريخ الإضافة 2026/06/02 - 9:55 PM
آخر تحديث 2026/06/10 - 2:52 PM

يستعيد «أسد» حقبة حساسة من التاريخ المصري، عبر حكاية عبد في القرن التاسع عشر يرفض المصير الذي فُرض عليه، ويقود تمرّدًا ضد أسياده بحثًا عن حق العبيد في حياة حرة. الفيلم من إخراج خيري بشارة ومحمد دياب، وكتابة خالد دياب ومحمد دياب وشيرين دياب، وبطولة محمد رمضان ورزان جمال وماجد الكدواني. ومنذ فكرته الأولى، يضع العمل نفسه داخل مساحة تجمع بين الدراما التاريخية والأكشن، حيث تتحول المواجهة من صراع فردي إلى سؤال أوسع عن الحرية والكرامة والحق في الحياة.
تدور الحكاية حول شخصية أسد، العبد الذي يجد نفسه في مواجهة نظام كامل من القهر والاستغلال. يتحرك أسد من رغبة في النجاة، ومن إحساس متراكم بأن الحرية لا تُمنح بسهولة، وأن الخضوع حين يطول قد يبدو كأنه قدر لا يمكن كسره. ومن هنا يبني الفيلم خطه الدرامي على لحظة تمرّد تتجاوز البطل وحده، وتمتد إلى جماعة تبحث عن حقها في أن تعيش خارج سلطة السادة والقيود القديمة.
ما يلفت في الفيلم أنه يذهب إلى منطقة نادرًا ما تقترب منها السينما العربية التجارية: دراما تاريخية عن العبودية، بإيقاع قريب من أفلام المواجهة والتمرد. هذه الزاوية تمنحه مساحة مختلفة عن الأعمال التي تستخدم الماضي كزينة بصرية من ديكور وملابس ولهجات. في «أسد»، يبدو الماضي ساحة صراع، وتكمن قيمة الفيلم في قدرته على جعل الحقبة حيّة ومتوترة، وتحويلها إلى عالم درامي يشعر المتفرج بقسوته لا بمظهره فقط.
وجود محمد رمضان في الدور الرئيسي يمنح «أسد» طاقة جماهيرية واضحة. فهو ممثل ارتبط حضوره بصورة الشخصية القوية التي تقاوم وتصطدم وتتحول إلى مركز للصراع. وفي هذا الفيلم، تبدو هذه الطاقة مفيدة إذا اندمجت في بناء درامي متماسك، بحيث تصبح البطولة امتدادًا للقضية التي يحملها العمل، لا استعراضًا منفصلًا عنها. أما رزان جمال وماجد الكدواني، فيمنحان الفيلم مساحة تمثيلية أوسع، خصوصًا إذا نجح العمل في توزيع الصراع بين أكثر من شخصية، بدل حصره في البطل وحده.
فنيًا، يبدو الرهان الأساسي في «أسد» مرتبطًا بقدرته على الجمع بين الضخامة التاريخية والصدق الإنساني. فالأفلام التي تعود إلى الماضي تحتاج إلى أكثر من الملابس والديكور؛ تحتاج إلى عالم مقنع، وإحساس واضح بالزمن، وشخصيات تتكلم وتتصرف من داخل عصرها، لا كأنها أفكار معاصرة ترتدي ملابس قديمة. وإذا نجح العمل في بناء هذا العالم، يمكن أن يتحول التمرد من حدث درامي إلى تجربة شعورية يشعر بها المتفرج، خصوصًا عندما يصبح الخطر مرتبطًا بجسد الإنسان وحريته وكرامته.
لكن التحدي الأهم أمام الفيلم سيكون في التعامل مع موضوع شديد الحساسية مثل العبودية، من دون الوقوع في التبسيط أو الخطابية المباشرة. فالحكاية تحمل بطبيعتها شحنة أخلاقية قوية، غير أن قوة السينما تأتي من تحويل هذا الموقف إلى مشاهد وشخصيات وصراع ملموس، لا من الاكتفاء بإعلانه. لذلك يحتاج «أسد» إلى توازن دقيق بين الرسالة والدراما، وبين البطولة الفردية والصوت الجماعي لمن حُرموا من حقهم في الحرية. جماهيريًا، يملك «أسد» أكثر من عنصر جذب: نجم جماهيري في دور تاريخي، ومخرجان لهما حضور مختلف في السينما المصرية، وحكاية تقوم على التمرد والحرية والصراع. هذه التركيبة تمنحه قدرة واضحة على الوصول إلى جمهور واسع، لكنها تضعه أيضًا أمام توقعات عالية. فالفيلم مطالب بأن يكون أكثر من أكشن تاريخي عابر؛ تجربة تمنح هذه الحقبة وزنها الدرامي، وتتعامل مع موضوعها بما يليق بحساسيته الإنسانية.
في الخلاصة، يبدو «أسد» محاولة لصناعة فيلم تاريخي عربي بطابع جماهيري، يحمل في داخله سؤالًا إنسانيًا كبيرًا: ماذا يفعل الإنسان حين يصبح البقاء نفسه شكلًا من أشكال المقاومة؟ يربح الفيلم حين يجعل التمرد نتيجة طبيعية للقهر، وحين يحوّل قصة عبد واحد إلى مرآة لقضية أوسع عن الحرية والكرامة. وقد تكون قوته الحقيقية في قدرته على تقريب الماضي من الحاضر، عبر حكاية إنسان قرر أن يرفض القيد، وأن ينتزع حقه في الحياة.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير