
أنقرة/متابعة الزوراء
في وقت كانت فيه عائلات سورية تكافح لإنقاذ ما تبقى من منازلها ومواشيها من الفيضانات الجارفة، بث التلفزيون الحكومي التركي تقريرا مصورا من فوق سد أتاتورك، واصفا تدفق المياه الهائل بأنه “مشهد بديع وخلّاب” و”العرس البصري”. في الواقع على الأرض السورية كانت هذه التدفقات القياسية والهائلة تجتاح ريفي الرقة ودير الزور، مما تسبب في غرق آلاف الهكتارات من المحاصيل الزراعية الإستراتيجية (كالقمح)، وتدمير الجسور والبيوت، وعزل قرى بأكملها جراء الفيضانات المفاجئة.
هذا التباين الحاد حوّل لقطات الطائرات المسيرة (الدرون) التي تتباهى بالهندسة التركية إلى مصدر لغضب عارم وصدمة إنسانية واسعة في شمال وشرق سوريا. واعتبر ناشطون وسكان محليون السردية الإعلامية التركية “استفزازا متعمدا” يعكس انفصالا تاما عن الكارثة الإنسانية على ضفة النهر الأخرى.
بينما ركزت قناة “تي.آر.تي خبر” (TRT Haber) على التقاط زوايا فنية للمياه وهي تتدفق بقوة من بوابات المفيض، كانت تلك المياه ذاتها تجتاح القرى السورية الممتدة على طول نهر الفرات. ووصف معلقون سوريون التقرير بأنه “استخفاف بدموع المنكوبين”، حيث جرى تحويل غرق وفقدان سبل عيش آلاف الفلاحين إلى مادة استعراضية وصفتها القناة بـ”الوليمة البصرية”. وأثار هذا الأسلوب انتقادات حادة واعتبره مراقبون “عمى إنسانيًا وعنصرية إعلامية” ترفض رؤية الآثار المدمرة للسياسات المائية التركية على دول المصب.
وتكمن حساسية الاستفزاز في التوقيت والسياق التاريخي لأزمة المياه بين البلدين. وجاء هذا الفائض المدمر بعد سنوات طويلة من قيام أنقرة بحبس مياه الفرات، مما تسبب في جفاف المحاصيل السورية؛ ليتحول الحبس فجأة إلى طوفان دون تنسيق مسبق.ورصدت الكاميرات التركية المياه كـ”لوحة جمالية”، وتجاهل مصير القرى الغارقة خلف الحدود اعتبره الأهالي رسالة تؤشر على اللامبالاة السياسية والإنسانية.كما خلا التقرير التركي الرسمي من أي إشارة تعاطف أو تحذير للجيران السوريين، ما عمّق الشعور بالإهانة لدى المجتمعات المحلية المنكوبة. وعلى أرض الواقع تسببت المياه التي احتفت بها الشاشة التركية في إغراق آلاف الهكتارات من حقول القمح والشعير في ريفي الرقة ودير الزور قبل أسابيع قليلة من موسم الحصاد. كما أدى الارتفاع الحاد في منسوب النهر إلى جرف الجسور الترابية، وتدمير شبكات الري، وعزل بلدات كاملة اضطر سكانها إلى استخدام القوارب البدائية للتنقل.
وفيما تستمر المياه في التدفق يرى خبراء أن هذه الحادثة لا تكشف فقط عن هشاشة الاتفاقيات المائية، بل تكشف أيضا عن شرخ أخلاقي في كيفية تعاطي الإعلام الرسمي مع الكوارث العابرة للحدود.
ورغم التبريرات العلمية والتقنية الصارمة التي ساقتها الجهات الفنية، هيّأ غياب التنسيق المسبق والإعلان المفاجئ عن فتح البوابات أرضا خصبة لانتشار نظريات المؤامرة والتفسيرات الجيوسياسية في الأوساط السورية. وربط مروجو هذه النظريات التوقيت المائي بـ”رسائل سياسية مبطنة” من أنقرة، معتبرين أن إغراق قرى ومحاصيل ريفي الرقة ودير الزور يمثل أداة ضغط غير مباشرة موجهة ضد “الحكومة السورية الانتقالية الجديدة” والتشكيلات المحلية.
(عن/صحيفة العرب)