رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
هوس المثالية


المشاهدات 1775
تاريخ الإضافة 2026/06/01 - 10:31 PM
آخر تحديث 2026/06/23 - 8:08 AM

في الأزمنة القديمة، كان الإنسان يخشى الفشل أمام المجتمع. أما اليوم، فقد أصبح يخشى الفشل أمام صورته التي صنعها لنفسه.
يبحثون عن نسخة “مثالية” من ذواتهم؛ نسخة لا تخطئ، لا تتعب، لا تشيخ، لا تحزن، ولا تتعثر. ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، تحوّل كثير من البشر إلى مشاريع دائمة لتحسين الذات، حتى بدا الأمر وكأن الإنسان لم يعد يعيش حياته بقدر ما يراقبها ويقارنها ويعيد تعديلها باستمرار.
هوس المثالية لم يعد مجرد سلوك فردي عابر، بل أصبح ثقافة تُغذّي القلق والإرهاق النفسي. فمنذ الصباح، تنهال على الإنسان رسائل مباشرة وغير مباشرة تخبره أنه يجب أن يكون أكثر نجاحاً، أكثر إنتاجية، أكثر أناقة، أكثر ثراءً، وأكثر تأثيراً. وإذا لم يكن كذلك، فعليه أن يشعر بالنقص.
وهنا تكمن المشكلة، فهناك كثيرون يعيصشون تحت ضغط “الصورة الكاملة”. الأم تريد أن تكون أماً مثالية لا تغضب ولا تتعب، والموظف يريد أن يكون ناجحاً بلا أخطاء، والطالب يريد نتائج كاملة، حتى إن لم يدرس جيدا، وحتى العلاقات العاطفية أصبحت تُقاس بمستوى الإبهار الظاهري لا بصدق المشاعر.
لقد أنتج عصرنا أفراداً يعرفون كيف يلتقطون صوراً سعيدة، لكنهم لا يعرفون كيف يعيشون السعادة نفسها، هنا  لا يمكن فصل هوس المثالية عن طبيعة العصر الرقمي. فوسائل التواصل لا تعرض الحياة كما هي، بل كما يريد الناس أن تبدو. صور السفر، النجاح، الأجساد الرشيقة مع اعلانات حارق الدهون!
إننا نعيش زمناً يُخفي هشاشته جيداً.. ومن أخطر نتائج هوس المثالية أنه يُضعف قدرة الإنسان على تقبل الفشل الطبيعي. بينما كانت الأجيال السابقة ترى التعثر جزءاً من الحياة، بات البعض اليوم يعد أي خطأ دليلاً على انهياره الشخصي. ولهذا نرى حالات القلق والاكتئاب والإرهاق النفسي تتزايد حتى بين أشخاص يبدون ناجحين من الخارج ناسين أن كثيراً من الشخصيات العظيمة في التاريخ لم تكن “مثالية” بالمعنى المعاصر. كبار الأدباء والفنانين والعلماء كانت لديهم عيوبهم وأخطاؤهم وهشاشتهم الإنسانية، لكنهم لم يعيشوا أسرى لفكرة الصورة الكاملة. كانوا أكثر تصالحاً مع نقصهم البشري، وربما لهذا استطاعوا أن يبدعوا بصدق.
أما اليوم، فقد أصبح البعض يخشى حتى إظهار ضعفه الإنساني، لأن المجتمع الرقمي يعاقب العفوية أحياناً، ويكافئ الصورة المصقولة.
لكن الحقيقة التي يتأخر كثيرون في اكصتشافها هي أن الإنسان لا يحتاج إلى الكمال كي يكون محبوباً أو ناجحاً أو مهماً. الحياة نفسها ناقصة، والبشر ناقصون، وأجمل العلاقات وأكثرها صدقاً هي تلك التي تسمح لنا بأن نكون على طبيعتنا دون خوف دائم من التقييم.
ليس المطلوب أن يتوقف الإنسان عن تطوير نفسه، بل أن يفهم الفرق بين التطور الصحي وبين مطاردة نسخة وهمية لا وجود لها.
فالذي يطارد الكمال طوال عمره، قد يصل في النهاية متعباً إلى حقيقة موجعة:أنه أمضى حياته يحاول أن يكون “مثالياً”، بينما نسي ببساطة أن يكون إنساناً.


تابعنا على
تصميم وتطوير