رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
إعدام صدام القصة الكاملة كما وردت في وثائق السفارة الأميركية في بغداد


المشاهدات 2045
تاريخ الإضافة 2026/05/31 - 9:08 PM
آخر تحديث 2026/06/12 - 3:43 AM

  تضاربت روايات اعدام صدام التي ادلى بها مستشار الامن القومي موفق الربيعي والقاضي منير حداد، فقد دخل الاثنان في سباق يعرض كل منهم رواية تكذب الاخر، مع ان تلك التصريحات تتعارض مع وظيفتي الربيعي وحداد، وقد استغلت بعض وسائل الاعلام العربية تلك التصريحات لشن حملة دعائية شرسة تفوح منها رائحة  طائفية. ولأهمية الحدث وتاريخيته، أرى ان نتوقف عند الترجمة الكاملة لوثيقة من وثائق الخارجية الامريكية عن لقاء جمع المدعي العام منقذ ال فرعون والسفير الامريكي خليل زاد بعد ايام من اعدام صدام.
بدأ السفير اللقاء، شاكرا آل فرعون لشجاعته، مشيرا إلى أنها لم تكن مسعى خاليا من المخاطر «بتقديم صدام إلى العدالة». لاحظ أن ما حدث خلال إلاعدام «شوه» الحدث بأكمله وطلب ان يقص المدعي العام ما حدث. «نحن بحاجة إلى النظر إلى الوراء من أجل التطلع إلى الأمام»، في إشارة إلى انه لا يزال من المقرر تنفيذ عمليتي إعدام آخرين في يناير / كانون الثاني. ووصف ال فرعون وصوله الى مقر رئاسة الوزراء في مقر اقامته يوم 29  كانون الاول / ديسمبر بعد إبلاغه بأن الإعدام سيحدث في وقت مبكر من صباح اليوم التالي. تم التخطيط لذلك بين مجموعة من المستشارين العراقيين من رئاسة الوزراء ومسؤولين آخرين في حكومة العراق، بما فيهم المستشار موفق الربيعي. 
بعد هذا الاجتماع قال آل فرعون ان 14 مسؤولا عراقيا توجهوا مباشرة إلى منطقة هبوط طائرات الهليكوبتر في المنطقة الخضراء المجاورة لملحق السفارة، للسفر على متن طائرة هليكوبتر امريكية إلى موقع التنفيذ. في موقع الاقلاع فتش أفراد أمريكيون وأخذوا هواتف الركاب الخلوية كما قال ال فرعون، قال إنه كان تفتيشا «شاملًا» للغاية. 
ثم استقل المسؤولون الأربعة عشر طائرتي هليكوبتر لرحلة إلى شمال شرق بغداد حيث تم الإعدام، سأل السفير ال فرعون عما إذا كان على علم بشاحنة صغيرة التي يزعم أنها وصلت إلى موقع الإعدام مع اشخاص اخرين الذين يريدون مشاهدة الإعدام. ال فرعون لم يتعرف على الشاحنة، لكنه قال ان الشهود فقط على الاعدام كانوا الأربعة عشر مسؤولا الذين وصلوا عبر مروحية والحراس العراقيين في الموقع.
 خلال اجتماع نهائي سريع مساء 29  كانون الاول/ ديسمبر، صرح الدكتور الربيعي للمستشارة السياسية  للسفير سكوبي وإم جاردنر أن الحكومة العراقية قد وضعت خطة لباقي التفاصيل اللوجستية وقبلت المسؤولية عن تنفيذ الاعدام. ستنقل الولايات المتحدة صدام بشكل آمن إلى الموقع، ونقل الحراسة، وربما المساعدة في نقل الرفات. 
لم يكن هناك أفراد أمريكيون متواجدين عند الإعدام أو في الفناء المجاور، الحكومة العراقية غيرت قائمة الشهود عدة مرات قبل التنفيذ، وفي وقت من الأوقات تضمنت 20-30 فردًا. وافقت القوات متعددة الجنسيات على طيران 14 شاهدًا من موقع اقلاع المروحية، قررت حكومة العراق في النهاية أن شهوداً آخرين سيسافرون بالسيارة. حوالي الساعة الواحدة قبل التنفيذ ، وصلت سيارة دفع رباعي إلى القاعدة.
 قام الحراس الذين يديرون نقطة الدخول الأساسية بتفتيش السيارة من الأسلحة والمتفجرات ومن ثم سمح للمركبة لتنتقل إلى مبنى التنفيذ. وشملت السيارة ستة أفراد من الذين حددتهم حكومة إلعراق على أنهم أفراد تصوير الفيديو. لا نعرف ما إذا كانت هذه المجموعة قد فتشها حراس عراقيون في موقع الإعدام. كما أنه غير معروف أن دخول الـستة في الواقع إلى مبنى الإعدام لأنه لم يكن هناك اي امريكي في الفناء أو المبنى. بعد نقل عهدة صدام داخل الحجز في مبنى الزنزانة، ابتعد أفراد القوة المتعددة الجنسيات في العراق عن موقع الإعدام الى مجمع صغير لوزارة العدل. كانت حكومة إلعراق المسؤولة عن المبنى وسير التنفيذ. افتقار حكومة إلعراق إلى خطة واضحة ومنسقة للسيطرة على الشهود وتنفيذ الإعدام أدى إلى الركض على عجل. 
آل فرعون والقاضي [منير حداد] انفصل على الفور من المجموعة للقاء صدام وقراءة الحكم ومرافقته إلى غرفة الاعدام. وقال ال فرعون إنه «تعاطف» معه.
 دخل صدام ورأسه مغطى ويداه مقيدتان تهتز قسرا. ثم قرأ القاضي الحكم وحكم الإعدام. في ذلك الوقت قال ال فرعون: صدام أصبح أكثر حيوية وبدأ يتحدث ، «كما لو كان لا يزال الرئيس «بمجرد انتهاء القراءات، ال فرعون أوضح أن الرجال الثلاثة برفقة أربعة من حراس السجن ساروا في ممر طويل واصطف 14 شاهدا إلى الغرفة التي سيحدث فيها الإعدام.  سأل السفير عما إذا كان هذا هو الموقع نفسه الذي اعتاد صدام على إعدام أعضاء حزب الدعوة فيه. ال فرعون أكد أنه كان المكان نفسه، لكنه لاحظ أنه تم استخدامه في عمليات إعدام أخرى أيضًا. أنشأ الأمريكيون منصة الإعدام. ال فرعون قال انه لم يتم إنشاء المنصة الأصلية بمعايير مناسبة، وكان ذلك يسبب معاناة أثناء الإعدام. تتطلب المنصة الجديدة من المعدومين الصعود الى الدرج. ثم سأل السفير عما إذا كان كان الحراس الأربعة أعضاء ميليشيا؛ ال فرعون أجاب بأنه على حد علمه كانوا حراسا رسميين. ثم اقترب الربيعي من صدام وسأله إذا كان خائفا. رد صدام بأنه ليس خائفا ، لقد كان «يتوقع هذه اللحظة» منذ توليه السلطة لأول مرة، مع العلم أنه كرئيس كان لديه العديد من الأعداء. كان صدام يحمل القرآن وسأل من بين الشهود ضمان تسلم نجل عواد البندر له. وافق ال فرعون على ذلك واخذ الكتاب، وبعد أن سلمه صدام له، أعاد الحراس وثاق يديه. وأكد ال فرعون انه حتى ذلك الحين لم يحدث شيء «غير لائق». وبعد ذلك بدأ الصراخ والصراخ.
 ثم بدأ الحراس بربط قدمي صدام. صدام سأل من سيساعده على صعود الدرج. في هذه اللحظة قال ال فرعون إن أحد الحراس أخبر صدام «اذهب إلى الجحيم.» رفع ال فرعون صوته على الفور وحذر الناس من أنه «لن يسمح للحراس أو شهود ان يخاطبوا «صدام. استدار. 
ورأى ال فرعون مسؤولين حكوميين يلتقطون صوراً بهواتفهم المحمولة. اصطحب حارسان صدام إلى الطابق العلوي وعرضوا عليه تغطية رأسه بغطاء. رفض صدام. أوضح الجلاد لصدام أن حبل المشنقة يمكن أن يقطع عنقه وقدم له قطعة قماش لمنع أي ألم. حراس السجن، يقفون في أسفل المنصة وهم يراقبون صدام وهو يتلوا دعاء او شهادة.  قال ال فرعون إن أحدهم صرخ « مقتدى مقتدى»، ادعى المدعي العام أنه مرة أخرى رفع صوته لإسكات الشهود. هذا الاضطراب، قال حدث مرة واحدة فقط ولم يؤخر الإعدام. مات صدام حسين على الفور. تمت إزالته من المنصة ووضعها في كيس. رجل دين في وقت لاحق تأكد من غسل جثة صدام على حد قوله وفق العرف الإسلامي.
ابلغ ال فرعون  السفير أنه على الرغم من الجدل ، شهد «شخص محكوم عليه أدين في محاكمة قانونية أثبتت أن صدام «قتل الآلاف». وافق السفير الى أن أنصار صدام سوف يستخدمون الإعدام ذريعة لإدانة ما كان عادلاً ومجرد محاكمة. 
ومع ذلك، تابع: كان هناك الكثير من الناس الذين كانوا سعداء لرؤية صدام يقدم للعدالة واكثر ممن كانوا مستائين الآن من كيفية حدوث الإعدام. السفير سئل عن توقيت التنفيذ ، وعلق على ذلك بأن الإعدام قبل ساعة من العيد أغضب بعض الناس. فأجاب ال فرعون أن كل الآراء الاجتماعية والقانونية موجودة حول تنفيذ عقوبة الموت خلال العطل. قال ان الفتوى تنص أنه لا يمكن إعدام المجرمين في يوم عطلة. الحكومة العراقية فحصت التوقيت، كما قال: وخلص الخبراء إلى أنه إذا انتهى قبل شروق الشمس لن يصادف العيد. الرأي الاجتماعي الذي يشاركه بعض أعضاء المجتمع الدولي، تابع ال فرعون: هو أن الموت عقوبة لا ينبغي أن تستخدم في أي وقت بغض النظر عما إذا كان يحدث خلال عطلة. تجاهل ال فرعون ذلك ، مشيرا إلى أن القانون «لا يأخذ في الاعتبار مشاعر الناس». ذكر السفير أن البعض شكك في شرعية الإعدام في ظل غياب «توقيع من الرئيس طالباني». وأشار السفير انه اذا كان رئيس الوزراء لا يعتقد أن التوقيع ضروري، كان عليهم أن يطلبوا من رئيس المحكمة العراقية مدحت أن يعلن هذا في حكم مكتوب. ورد المدعي العام بأنه: في ظل القانون العراقي فالرئيس لديه القدرة على تخفيف العقوبات لجرائم عادية، عقوبة صدام لم تعرض على الرئيس لأنه في هذه الحالة ليس لديه سلطة تخفيف العقوبة. وقال ال فرعون إنه لا يمكن اختزال المحكمة العراقية العليا. وأوضح أن هذا بسبب ان القضايا المعروضة هنا جرائم ضد الانسانية. ان الرئيس العراقي ، لذلك ، لا يملك السلطة لتقليل هذه العقوبة.
وفي ختام المقابلة، سأل السفير ال فرعون عما ستفعله حكومة العراق من تغييرات في عمليتي الإعدام القادمتين؛ اجاب  ال فرعون بشكل قاطع أن الشهود الوحيدين الذين سيكون مسموح بهم، وهو ما يقتضيه القانون: المدعي العام، قاضٍ ورجل دين ومدير السجن، هذا سوف يمنع السلوك غير المقبول وغير الضروري.
وارى من المناسب التوقف قليلا َعند  كتاب «سجين فى قصره» لـ ويل باردنويربر، الذى صدرت ترجمته عن الدار العربية للعلوم ناشرون. ويتحدث الكتاب عن الساعات الأخيرة من حياة صدام حسين فيقول: «كان واحدا من أبرد الصباحات التى شهدها السوبر اثنا عشر في العراق، مع انخفاض درجة الحرارة إلى 15 درجة مئوية في ساعات ما قبل الفجر.. بعد رحلة قصيرة بالمروحية فوق بغداد النائمة، تلتها رحلة سريعة أخرى على متن المدرعة الراينو المصفحة، سلم الجنود المدججون بالسلاح، الذين تطلبت مهمتهم ضمان سلامة ورفاة الرئيس السابق صدام حسين إلى مصيره النهائي.  من سخرية القدر أن الإعدام كان سينفذ في مقر الاستخبارات العسكرية القديم، الذي يقال إنه كان يحوي غرف تعذيب عانى فيها «أعداء الدولة» المفترضين ألوان العذاب في ظل حكم صدام.
 كانت الإجراءات الأمنية مشددة، مع طوق أمني محيطي أمنه لواء أمريكي وبحر من رجال الأمن العراقيين الذين كانوا يسيطرون على المنطقة المحيطة مباشرة بموقع المشنقة، أعطيت للأمريكيين أوامر صارمة بعدم دخول الموقع، لأنها عُدّت عملية عراقية بحتة.  عند خروج صدام من العربة المصفحة الضخمة، بدا تصميمه يشتد مع كل درجة ينزلها، كما لو أنه كان يرغم نفسه على قبول مصيره برباطة جأش، متسلحا باعتقاده الراسخ الفخور بأنه كان يموت من أجل بلده.
انتظر  الجنود السوبر الاثنا عشر خارج مبنى المشنقة الضعيف المشيد من ألواح معدنية تشبه الصفيح، والمفتوح جزئيا إلى الخارج كالحظيرة.
 لم يكن باستطاعة الجنود رؤية المشنقة بشكل مباشر من موقعهم، ولكن كان بوسعهم رؤية ظلال شبحية للمنصة المرتفعة والحبل المتدلي منها. في أثناء انتظارهم، أحس «هتش» بالانزعاج لمعرفته بأن صدام كان يكره فكرة أن يشنق، أكثر حتى من الحكم عليه بالموت. كان موفق الربيعي، مستشار الأمن القومي للعراق، هو من تسلم صدام، وهو من كان مسؤولا عن إدارة عملية الإعدام. كان ذات يوم عضوا في حزب الدعوة الشيعي العراقي، نفسه الحزب المسؤول عن محاولة اغتيال صدام في الدجيل، التي أثارت الرد الفضيع الذي حوكم به صدام، وحكم عليه بالموت، بسببه. قيل إن الربيعي نفسه تعرض للتعذيب مرارا على يد أجهزة صدام الأمنية قبل هربه إلى لندن فى 1979 وبقائه في المنفى حتى 2003.  تسلم الربيعي صدام المكبل من الأمريكيين وقاده إلى غرفة حيث قرأ قاض بصوت عال لائحة الاتهامات عليه، كان صدام يحمل قرآنه وبدا للربيعي «طبيعيا ومسترخيا» ، ولم يبد أية علامات على الندم بينما كانت الاتهامات تقرأ عليه.بعد ذلك قاده الربيعي إلى المشنقة. في تلك اللحظة حدث شيء غريب. بينما كانا يصعدان الدرجات الأولى، توقف صدام ونظر إلى المشنقة ثم نظر إلى الربيعي من الأعلى إلى الأسفل، وقال: «يا دكتور، هذه للرجال». يبدو أن صدام كان يحاول إظهار شجاعة شبه مسرحية.
بعد ذلك، قاد جلادان مقنعان الرئيس السابق فوق سلسلة درجات أخرى نحو أنشوطة ضخمة وغطاء قابل للفتح في الأرضية. لم يكن الجلادان يرتديان زيا رسميا، أحدهما كان يرتدي جاكيتا جلديا والآخر معطفا قماشيا. أما صدام فكان يبدو مثل رجل دولة في معطفه الغامق وقميصه الأبيض الظاهر من تحته، كان أطول من قاتليه بعدة سنتمترات، وكانت طريقة مشيته ووقفته مثيرة للدهشة إذ حافظ على جسده منتصبا مع تعبير شبيه بتعبير رجال الأعمال على وجهه. بدا بأنه كان يستخرج ما بقى لديه من احتياطيات ذلك التصميم الصلب عديم الرحمة الذي كان يتسم به فى أيام شبابه، عندما كان يرسل العراقيين ببرود إلى حتفهم زهوا ينفث دخان سيجاره من دون اكتراث، بل اتبع إرشادات الجلادين بانصياع من دون أي خوف ظاهر.ورفض تغطية رأسه. 
  غالبا ما كان صدام يوجه مرؤسيه بـ «الثبات في المشهد الاخير» بحسب الفريق الركن السابق رعد الحمداني، كانت فكرة بدوية مفادها ان الحياة تتضمن مشاهد عديدة ، لكن المشهد الذي سيحفر في التاريخ هو المشهد الاخير. 
يتذكر الحمداني كيف جمع صدام، في زيارة للخطوط الامامية خلال الحرب العراقية الايرانية، مجموعة من الجنود المنهكين الذين كانوا لا يزالون يلعقون جراحهم من هزيمة حديثة، ليقول لهم انهم سيذكرون الى الابد ان ماتوا وهم يقاتلون بشجاعة، أيا تكن النتيجة. 
كان صدام يعلم انه سيكون مشهده الاخير؛ فرصة لإصلاح صورته ومحو تلك الذكرى المخزية المتصلة بإخراجه من الحفرة مستسلمًا قبل ثلاث سنوات.  

* أستاذ التاريخ الأميركي
 في جامعة بغداد                                                                                                                            
 


تابعنا على
تصميم وتطوير