رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
التشكيلي أحمد النقيب من سرداب المدرسة إلى قاعات الفن


المشاهدات 2108
تاريخ الإضافة 2026/05/31 - 9:01 PM
آخر تحديث 2026/06/09 - 8:38 PM

 في تجربة فنية تمتد لأكثر من نصف قرن، يفتح الفنان التشكيلي الدكتور أحمد دخيل النقيب خزّاف ذاكرته على مصراعيها، مستعيداً بداياته الأولى في أزقة الموصل، حيث تشكّلت ملامح الشغف الأول بالرسم، مروراً بمحطات الدراسة الأكاديمية في بغداد، وصولاً إلى حضوره الفاعل في الحركة التشكيلية العراقية والعربية.
 هذا الحوار يكشف ملامح فنان تشكّل وعيه بين التراث الرافديني، والحرف العربي، والتجربة الحياتية الغنية، ليقدّم خطاباً بصرياً مشبعاً بالأصالة والبحث والتجريب. كما يتوقف عند أبرز محطات النجاح، والتحديات، ورؤيته لمستقبل الفن في ظل التحولات المعاصرة.
* اهلا وسهلا بك استاذ، ونود ان نستذكر معا مسيرتك الفنية على مدى السنوات.. حدثنا عن طفولتك وبداياتك الأولى مع الفن؟
ــ  ولدت في مدينة الموصل عام 1957 في محلة إمام إبراهيم، وهي بيئة شعبية غنية بالتفاصيل الإنسانية والبصرية. بعد ذلك انتقلنا إلى محلة حضيرة السادة، وهناك بدأت أولى ملامح وعيي تتشكل. دخلت المدرسة الابتدائية الحسينية، وكان الرسم منذ الصغر يميل إليه قلبي بشكل واضح. في الصف الرابع الابتدائي بدأت تظهر بوادر موهبتي في درس الفنية، وكان لمعلمي المرحوم الأستاذ هرمز دور كبير في اكتشاف هذه الموهبة من خلال متابعته الدقيقة لي. كنا نرسم في مرسم المدرسة الذي كان في السرداب، وكان يزودنا بالألوان، فنرسم بفرح كبير.
 أما في البيت، فكنت أمارس الرسم بقلم الرصاص، وأقضي ساعات طويلة في التخطيط، وكأنني أعيش عالماً خاصاً بي.
*  كيف تطورت هذه الموهبة في مرحلة الدراسة المتوسطة؟
ــ   في مرحلة المتوسطة، وتحديداً في متوسطة فلسطين، كان أستاذ الفنية الأستاذ سامي محطة مهمة في مسيرتي. كنت أتردد على المرسم باستمرار، وقدمت له رسوماتي، فشجعني كثيراً، بل وأهداني في إحدى المرات ورقاً وألواناً لمواصلة العمل. لا أنسى فضل والدي رحمه الله وأخوتي الذين كانوا داعمين لي، وكان لأخي الذي درس الموسيقى في معهد الفنون الجميلة ببغداد دور مهم في متابعتي وتحفيزي. في تلك الفترة، بدأت أخرج إلى الطبيعة لأرسم ما أراه، ثم أعود لأعرض أعمالي على أستاذي ليعطيني ملاحظاته، وهو ما زاد من رغبتي في الاستمرار والتطور.
*   ما المحطة التي شكلت الانطلاقة الحقيقية لك؟
ــ   انتقالي إلى متوسطة الفاروق كان نقطة تحول مهمة، حيث التقيت الأستاذ الراحل نذير الصفار، الذي كان له تأثير عميق في توجيهي نحو دراسة الفن بشكل جدي. كنا نلتقي في المرسم، ونتبادل الخبرات مع الزملاء، ونشارك في المعارض. في تلك المرحلة، بدأت أبحث عن أسلوبي الخاص، فخطرت لي فكرة مزج الرسم بالخط العربي عام 1974. نفذت عملاً يجمع بين سورة البقرة وسورة يس في تكوين فني، وقد نال إعجاب الخطاط الكبير الراحل الدكتور يوسف ذنون. كما حضر وزير التربية آنذاك أحمد عبد الستار الجواري، وأثنى على العمل، وتم الاحتفاظ به في متحف النشاط المدرسي ببغداد. 
كانت تلك اللحظة من أسعد لحظات حياتي، وشكلت بداية حقيقية لمساري الفني.
*   كيف أثرت الدراسة الأكاديمية في معهد الفنون الجميلة على تجربتك؟
ــ   دخولي معهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1975 كان الانطلاقة الحقيقية نحو الاحتراف. الدراسة الأكاديمية كانت مرحلة مهمة جداً لصقل موهبتي بشكل علمي، من خلال التمرين المستمر، والمشاركة، وتبادل الخبرات. عملت تحت إشراف أساتذة كبار مثل شاكر حسن آل سعيد، محمد علي شاكر، خضير الشكرجي، نزيه سليم، صادق الدوري، سهام السعودي، ورافع الناصري. هذا الوسط الفني الغني جعلني أبدأ ببناء تجربتي بشكل احترافي، وتتراكم لدي الخبرة يوماً بعد آخر.
*   ما سر تفوقك وحصولك على درجة الامتياز؟
ــ   السر يكمن في المثابرة والعمل المستمر والإصرار. كنت أؤمن بأن الموهبة وحدها لا تكفي، بل يجب صقلها بالتمرين والمتابعة. حصولي على درجة الامتياز كان محطة مضيئة في حياتي، وشعرت بأنه بداية حقيقية لطريق طويل من العمل والإنجاز.
*  ماذا عن تجربتك بعد التخرج؟
ــ  بعد التخرج وتعييني معيداً في المعهد، انتقلت إلى نينوى، وواصلت العمل بإصرار كبير. كنت أسهر الليالي في الرسم والممارسة الفنية، وشاركت في العديد من المسابقات والمعارض. في عام 1982 حصلت على الجائزة الأولى في مسابقة ملصق عدم الانحياز، كما أقمت معرضي الشخصي الثاني في المتحف الوطني للفن الحديث. عملت أيضاً في تصميم ملصقات مهرجان الربيع، وتصميم ديكور حفلات موسيقية، وعملت في مطبعة جامعة الموصل، وفزت بشعارها. كل هذه التجارب أغنت مسيرتي.
*  هل واجهت صعوبات خلال مسيرتك؟
ــ   بالتأكيد، لا يخلو طريق أي فنان من الصعوبات. من أبرزها الغيرة والحسد، لكنها أمور يجب التعامل معها بالصبر والحكمة. كنت أؤمن بأن العمل المستمر هو الطريق لتجاوز هذه التحديات، مع التركيز على تطوير الذات.
*  متى شعرت أنك أصبحت فناناً محترفاً؟
ــ  بعد سلسلة من المشاركات والمعارض داخل العراق وخارجه، واقتناء أعمالي، ومشاركتي في مهرجانات ومؤتمرات، إضافة إلى عملي في التدريس، شعرت بأنني وصلت إلى مرحلة الاحتراف، وهي مرحلة تتطلب مسؤولية كبيرة.
*  ما علاقتك بفن الخزف؟
ــ  لم أمارس الخزف بشكل مباشر إلا خلال الدراسة، لكن كان له حضور في دراستي الأكاديمية، خصوصاً في رسالة الماجستير التي تناولت تصاميم الرسوم على الأواني الفخارية في عصر فجر السلالات. رغم ذلك، يبقى الرسم هو المجال الأقرب إلى قلبي.
* كيف توظف البيئة العراقية في أعمالك؟
ــ  البيئة العراقية غنية جداً بمفرداتها التراثية والرافدينية، وهي أساس أعمالي. أستخدم هذه المفردات لإبراز الهوية العراقية، بعيداً عن التأثيرات الأوروبية. البساط الشرقي مثلاً عنصر مهم في أعمالي، لما يحمله من رمزية وجمالية.
*  كيف تصف تجربتك الفنية؟
ــ  هي رحلة بدأت من الصفر، ومرت بمراحل متعددة، فيها نجاحات وإخفاقات. خلال خمسين عاماً، اكتسبت خبرات كثيرة، وأصبحت هذه التجربة جزءاً من حياتي.
*  ما أبرز محطاتك؟
ــ  من أبرزها مشاركتي في معرض الخط العربي عام 1975، ودخولي معهد الفنون الجميلة، وتخرجي بامتياز، وسفري إلى إسبانيا، وحصولي على الجائزة الأولى عام 1982، ثم الجائزة العربية للإبداع الثقافي عام 2013، إضافة إلى عملي الإداري وتأسيسي لمعهد الفنون الجميلة المسائي في الموصل.
* حدثنا عن أول معرض لك؟
ــ  أول معرض شخصي كان عام 1976، وكان معرض باتك، وهو فن الطباعة على القماش بالشمع. كانت تجربة جديدة في العراق، وكان لها صدى واسع.
* ما المعرض الأقرب إلى قلبك؟
ــ   معرضي السابع عام 2013 في عمّان، حيث شهد حضوراً كبيراً، وتم اقتناء بعض الأعمال، وكان له صدى إعلامي واسع.
* ماذا أضافت لك المشاركات الدولية؟
ــ أضافت لي خبرات كبيرة، وفتحت أمامي آفاقاً جديدة للتعرف على أساليب وتقنيات مختلفة، وعززت علاقتي بالفن.
* كيف ترى الفن العراقي؟
ــ الفن العراقي فن أصيل وله تأثير عالمي، وهو امتداد للحضارة الرافدينية والإسلامية، وله حضور في المتاحف العالمية.
* كيف توظف خبرتك في التدريس؟
ــ  التدريس يعتمد على توظيف الخبرة الفنية والمعرفية لإيصال المعلومة للطالب. للأسف هناك ضعف في طرق التدريس الفنية، ويجب تطويرها.
*  كيف تقيّم واقع الفن اليوم؟
ــ هناك تراجع بسبب استخدام التكنولوجيا بشكل مفرط، وغياب الإحساس الفني، إضافة إلى سرقة الأعمال وتزويرها، وتأثير الحروب والأحداث على الفن.
*    ما طموحك؟
ــ طموحي الحفاظ على أصالة الفن، والابتعاد عن التكنولوجيا المفرطة، والعمل على إقامة معرضي الثالث عشر، الذي يوظف التراث والحرف العربي والكتابة المسمارية والنصوص الأدبية في عمل تشكيلي معاصر.
الخلاصة
يبقى الدكتور أحمد دخيل النقيب واحداً من الأسماء التي حملت همّ الهوية التشكيلية العراقية، وسعت إلى ترسيخ حضورها عبر عقود من العمل والتجريب.
وبين الحرف واللون، وبين التراث والمعاصرة، تتشكل تجربة فنية ثرية، تؤكد أن الفن الحقيقي لا يُصنع إلا بالصبر، والإيمان، والانتماء.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير