
في صباحات العيد، حين تتسلّل أولى خيوط الشمس على استحياء، كانت البيوت العراقية تستيقظ على رائحة لا تُنسى… رائحة القيمر العراقي الطازج، وهي تُمدّ على أرغفة الخبز الحار، كأنها بياض الفرح نفسه. لم يكن القيمر مجرد طعام، بل طقسًا عائليًا متوارثًا، يبدأ منذ الفجر. الأب يعود من السوق أو من الفرن الشعبي، حاملاً معه صينية القيمر، ملفوفة بعناية، كأنها كنز صغير. الأم تهيّئ المائدة، تضع العسل أو الدبس، ويجلس الجميع حولها بوجوه يغمرها النعاس والبهجة معًا. في تلك اللحظات، كان الصمت أبلغ من الكلام. لقمة خبز مع القيمر، تذوب ببطء، وتُشعرك أن العيد بدأ حقًا. الأطفال يتسابقون على القطع الأكبر، والضحكات تتسلل بين الأيدي الممدودة، فيما يعلو صوت التهاني من الأزقة القريبة.القيمر في العيد ليس مجرد نكهة… بل ذاكرة.
ذاكرة تجمع بين البساطة والدفء، بين العائلة والفرح، بين الطفولة وأيام لا تعود.
ومهما تغيّرت الأزمنة، تبقى تلك الصباحات حيّة في القلب… كلما تذوّقنا القيمر، عاد العيد كما كان: نقيًا، دافئًا، ومليئًا بالمحبة رغم غلاء سعره عن باقي الايام .