رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
خطوط الزمن سيرة وطن


المشاهدات 1906
تاريخ الإضافة 2026/05/31 - 9:00 PM
آخر تحديث 2026/06/23 - 9:56 AM

ليست كل السِيَر الذاتية حكاية شخص عن نفسه، فبعضها يتحول إلى وثيقة زمن، وسجل لمرحلة، ومرآة يرى فيها جيل كامل صورته وهو يعبر منعطفات الحياة، وهذا ما شعرت به وأنا أطالع كتاب الزميل العزيز الأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي « خطوط الزمن»، الذي أهداني نسخة منه كتب على صفحتها الأولى  «هذا الكتاب رحلة سيرتي الذاتية في مسار الحياة والإعلام، شكراً لكم الصحبة والوفاء.. بقلمي وقلبي»، وهي عبارة تختصر روح الكتاب كله، فهو مكتوب بالقلب قبل القلم، وبالوفاء قبل السرد.
منذ افتتاحية السيرة التي جاءت بعنوان « في البدء كانت الحكاية» يدرك القارئ أنه أمام نص لا يريد أن يكتفي بتسجيل الوقائع، بل يسعى إلى تأمل المعنى الكامن وراءها. فالكاتب لا يقدم نفسه بطلاً استثنائياً، بل إنساناً عراقياً عاش زمنه بكل ما فيه من أحلام وانكسارات وأسئلة، فهو يقول بوضوح إن هذه السيرة ليست بحثاً عن مجد شخصي، وإنما بحث عن المعنى في تفاصيل الحياة، وعن أثر الوطن في تكوين الإنسان. ويكشف الكتاب عن بناء سردي متماسك يتوزع على محطات العمر المختلفة، من الطفولة والعائلة والبدايات الأولى، إلى الصحافة والإعلام والتعليم والغربة، ثم إلى تأملات الوطن في سنواته العصيبة. إنها رحلة تمتد لأكثر من نصف قرن، يتحرك فيها المؤلف بين قاعات الدرس وغرف التحرير، وبين المدن العراقية والعواصم البعيدة، حاملاً معه أسئلة المثقف وقلق المواطن وذاكرة الصحفي. ولعل ما يلفت النظر في الكتاب أن البياتي لا يروي الأحداث بوصفها أخباراً ماضية، بل يعيد شحنها بالحياة، فالعناوين نفسها تحمل طاقة أدبية واضحة تتجلى في الكثير من العناوين، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، « المربع السحري للحياة»، « إذا أردت أن تسقط التفاحة هزّ الشجرة»، « وظيفة في وهج النار»، «غريب الدار والغربة«، « قيام الساعة في العراق»، و» هكذا رأيت الوطن في آخر العمر»، وهي عناوين تكشف عن عقل صحفي يعرف كيف يلتقط المفارقة، وقلب أديب يعرف كيف يحول التجربة إلى صورة ومعنى، كمل يلتقي في صفحات الكتاب الخاص بالعام، فالسيرة الشخصية تتحول تدريجياً إلى سيرة وطن، وعندما نقرأ عن الإنسان، فنحن نقرأ أيضاً عن العراق الذي مر بالحروب والحصار والتغيرات الكبرى والانكسارات المتلاحقة، لذلك لا تبدو خطوط الزمن مجرد مذكرات فردية، بل شهادة جيل كامل عاش التحولات العاصفة التي شهدها العراق خلال العقود الأخيرة. 
 « خطوط الزمن» كتاب يستحق القراءة، لا لأنه يروي حياة الدكتور ياس خضير البياتي فحسب، بل لأنه يروي جانباً من ذاكرة العراق الثقافية والإعلامية. وهو يضيف لبنة مهمة إلى أدب السيرة الذاتية العراقي، ذلك الأدب الذي لا يحفظ حياة الأفراد وحدهم، بل يحفظ ملامح الأزمنة التي صنعَتهم وصنعوها. وفي زمن تتسارع فيه الأحداث وتضيع التفاصيل، تبدو مثل هذه الكتب ضرورةً ثقافية ووطنية، لأنها تترك للأجيال القادمة خطوطاً واضحة على خريطة الزمن .
 


تابعنا على
تصميم وتطوير