
في العراق لا تبدو معركة المرض مجرد مواجهة صحية تنتهي داخل أروقة المستشفيات بل تتحول في كثير من الأحيان إلى اختبار قاسٍ للعائلات التي تجد نفسها أمام تكاليف علاج تفوق إمكاناتها ورحلة طويلة من القلق والترقب غير أن المشهد يختلف داخل المؤسسات الصحية التابعة للعتبة الحسينية المقدسة، حيث يتحول العلاج من خدمة طبية إلى مشروع إنساني متكامل يهدف إلى احتضان المرضى وتخفيف أعبائهم، ولا سيما الأطفال المصابين بالأورام وأمراض الدم .
وخلال شهر نيسان/ أبريل 2026، أعلنت هيئة الصحة والتعليم الطبي التابعة للعتبة الحسينية المقدسة تقديم خدمات علاجية مجانية لـ (1006) أطفال عراقيين داخل مؤسساتها التخصصية في خطوة تعكس حجم الدور الإنساني والطبي الذي تضطلع به العتبة الحسينية في رعاية المرضى .
هذه الأرقام لا تمثل مجرد مراجعين أو ملفات علاجية بل أكثر من ألف حكاية لعائلات عراقية جاءت من مختلف المحافظات وهي تحمل أملاً بإنقاذ أطفالها من أمراض أنهكت أجسادهم الصغيرة وأثقلت قلوب ذويهم بالخوف ففي مؤسسة وارث الدولية لعلاج الأورام تجلس الأمهات قرب أسرّة أطفالهن فيما تواصل الكوادر الطبية عملها اليومي في مواجهة المرض وتخفيف آثاره النفسية والجسدية.
ومن بين تلك القصص طفل في العاشرة من عمره قدم من محافظة بابل كان يحتفظ بلعبته الصغيرة إلى جانب سريره أثناء جلسات العلاج الكيمياوي بعد أن كانت عائلته تخشى عدم قدرتها على تحمل تكاليف العلاج الطويل، وفي غرفة أخرى كانت أم من محافظة ديالى تنتظر خروج طفلها من جلسة العلاج الإشعاعي، مؤكدة أن أكثر ما كان يقلقها ليس المرض فحسب بل العجز عن توفير نفقات العلاج قبل أن تجد الدعم والرعاية المجانية داخل المؤسسات الصحية التابعة للعتبة الحسينية.
وتتكرر مثل هذه المشاهد يومياً داخل المستشفيات التابعة للعتبة الحسينية المقدسة التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أبرز الجهات الداعمة للأطفال المصابين بالأورام وأمراض الدم في العراق.
ووفقاً لهيئة الصحة والتعليم الطبي فإن الخدمات المقدمة خلال شهر واحد فقط شملت إجراء نحو (34,255) فحصاً طبياً ومختبرياً، فضلاً عن تقديم (5,042) جلسة علاج إشعاعي وكيمياوي للأطفال المرضى ما يعكس حجم العمل الطبي والتخصصي الذي تشهده هذه المؤسسات بصورة مستمرة.
ولم تقتصر الخدمات على محافظة كربلاء المقدسة بل استقبلت المؤسسات الصحية التابعة للعتبة الحسينية أطفالاً من (17) محافظة عراقية، في مشهد يعكس الثقة الكبيرة التي باتت تحظى بها هذه المراكز لدى العائلات العراقية .
وبحسب الإحصائيات الرسمية توزع الأطفال المستفيدون من الخدمات العلاجية على المحافظات كالآتي: بغداد (190)، كربلاء المقدسة (190)، بابل (145)، القادسية (79)، البصرة (75) ،ذي قار (74)، النجف الأشرف (54) الأنبار (37)، المثنى (37) واسط (33)، صلاح الدين (22) نينوى (22)، ديالى (19) ميسان (16)، كركوك (10)، أربيل حالتان، ودهوك حالة واحدة .
وتكشف هذه الأرقام أن المشروع الصحي للعتبة الحسينية لم يعد مشروعاً محلياً مرتبطاً بمدينة محددة، بل تحول إلى شبكة دعم إنساني تستقبل المرضى من مختلف أنحاء العراق دون تمييز وفي وقت تعاني فيه الكثير من العائلات من صعوبة تأمين تكاليف العلاج ولا سيما الأمراض السرطانية التي تتطلب متابعة مستمرة وأدوية مرتفعة الكلفة أسهمت هذه الخدمات في تخفيف الأعباء المالية والنفسية عن آلاف الأسر .
ويؤكد مختصون في القطاع الصحي أن علاج الأورام لدى الأطفال يحتاج إلى إمكانيات كبيرة تشمل الأجهزة الحديثة والكوادر المتخصصة والدعم النفسي المستمر، وهو ما سعت المؤسسات الصحية التابعة للعتبة الحسينية إلى توفيره ضمن رؤية تعتمد على الدمج بين الرعاية الطبية والبعد الإنساني.
ولم يكن دخول العتبة الحسينية إلى القطاع الصحي خطوة عابرة بل جاء ضمن رؤية متكاملة تبناها ممثل المرجعية الدينية العليا والمتولي الشرعي للعتبة الحسينية المقدسة سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي (دام عزه) الذي أكد في أكثر من مناسبة أهمية الاستثمار في القطاع الصحي وتقديم الخدمات الطبية للفئات المحتاجة انطلاقاً من مبدأ الحفاظ على كرامة الإنسان وحقه في العلاج .
ومن هنا تأسست مؤسسات طبية تخصصية من بينها مؤسسة وارث الدولية لعلاج الأورام، ومستشفى الثقلين لعلاج الأورام في البصرة ومستشفى المجتبى (عليه السلام) لأمراض الدم وزراعة نخاع العظم لتتحول إلى مراكز متقدمة تستقبل آلاف المرضى سنوياً، ولا يقتصر دور هذه المؤسسات على تقديم العلاج بل يمتد إلى متابعة الحالة النفسية للأطفال وعائلاتهم من خلال توفير بيئة أكثر هدوءاً ومحاولة التخفيف من رهبة المستشفى والعلاج الطويل.
ويشير العاملون في القطاع التمريضي إلى أن التعامل مع الأطفال المرضى يحتاج إلى صبر إنساني كبير، لذلك تسعى الكوادر الصحية إلى كسر حاجز الخوف عبر التواصل المباشر معهم وتقديم الهدايا والألعاب البسيطة.
وفي كثير من الأحيان تكون التفاصيل الصغيرة هي الأكثر تأثيراً ابتسامة طفل بعد تحسن حالته الصحية أو أم تسمع للمرة الأولى خبراً مطمئناً عن استجابة ابنها للعلاج. كما لعب “صندوق وارث” دوراً مهماً في دعم الأطفال المرضى عبر تحويل التبرعات إلى وسيلة عملية لتغطية نفقات العلاج والرعاية الصحية .
ويرى متابعون أن هذه التجربة تمثل نموذجاً متميزاً للعمل الإنساني في العراق لأنها لم تقتصر على تقديم مساعدات مؤقتة بل اتجهت نحو بناء بنية صحية متكاملة قادرة على الاستمرار وتقديم خدمات تخصصية معقدة.
ومع تزايد أعداد المراجعين القادمين من مختلف المحافظات، بات واضحاً أن المؤسسات الصحية التابعة للعتبة الحسينية تحولت إلى وجهة علاجية مهمة بفضل مجانية الخدمات والتطور الطبي الذي حققته خلال السنوات الأخيرة.
ورغم أهمية الأرقام والإحصائيات، فإن الصورة الحقيقية تظهر داخل غرف العلاج حيث تمتزج مشاعر الخوف بالأمل، وتتمسك العائلات بأي فرصة لنجاة أطفالها.
إن ما يحدث اليوم داخل مؤسسات العتبة الحسينية الصحية يمثل تجربة إنسانية واسعة تعكس كيف يمكن للمؤسسات الدينية أن تتحول إلى مراكز فاعلة في خدمة المجتمع من خلال مشاريع ملموسة تمس حياة الناس بشكل مباشر.
وبين أجهزة العلاج وأصوات الدعاء وعيون الأطفال المتعبة تتشكل يومياً حكايات جديدة عن الأمل والنجاة تؤكد أن الرحمة يمكن أن تتحول إلى مشروع عمل متكامل، وأن أبواب الحسين (عليه السلام) ما تزال مفتوحة لكل من يبحث عن العون والشفاء، وأن هذه الأرقام تمثل في حقيقتها أكثر من ألف فرصة جديدة للحياة وأكثر من ألف عائلة استعادت شيئاً من الأمل مواجهة أصعب التحديات.