رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
كيف دخلت الصين معركة الدراما ؟


المشاهدات 1552
تاريخ الإضافة 2026/05/30 - 10:32 PM
آخر تحديث 2026/06/25 - 9:55 AM

لم تعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين محصورة في الاقتصاد أو التكنولوجيا أو سباق الذكاء الاصطناعي. فكلما مضينا قدما، بدا وكأن الصين تستحوذ على مجال جديد كانت الولايات المتحدة في يومٍ ما تتقنه وحدها ولعقودٍ من الزمن. بدأت القصة بالصناعة، ثم التجارة، ثم التكنولوجيا، فتطبيقات الهواتف والذكاء الاصطناعي. اليوم وصل الدور للثقافة والترفيه. فبينما ينشغل العالم بالحروب التجارية وأشباه الموصلات والطائرات الشبح والغواصات النووية، تخوض بكين معركة من طرازٍ اخر، أقل ضجيجاً لكنها أكثر عمقاً وتأثيراً… معركة السيطرة على الدراما.
لفترة طويلة، كانت الولايات المتحدة تُصدر للعالم ليس فقط المنتجات، بل أيضا الخيال والمتعة. هوليوود لم تكن مجرد صناعة سينمائية، بل آلة ضخمة لصناعة النفوذ الثقافي العالمي، تصنع الأبطال وتسوق لمنتجات البنتاغون القتالية وتحدد الذوق العام في آن واحد عبر أفلامها ومسلسلاتها. وهكذا تعيد تشكيل صورة العالم عن القوة والنجاح والحياة الحديثة حسب ما ترتضيه مصلحتها، لتبلغ بهذه الماكينة كذلك عالم الموضة والأناقة،  ليبلغ تحكمها نوعية الملابس التي لديك في الدرج دون ان تدرك ذلك. لكن مع صعود الصين، بدأت هذه الهيمنة تواجه تحديا غير متوقع، ليس عبر  صالات السينما التقليدية او الالواح، بل عبر الهاتف المحمول تحديداً.
الصين فهمت مبكرا أن الشاشة الأهم في القرن الحادي والعشرين لم تعد شاشة التلفزيون أو ما سواها، بل الشاشة الصغيرة التي يحملها الإنسان في جيبه طوال اليوم.. المشاهد الحديث لم يعد يجلس لساعات أمام التلفاز كما في السابق، بل يستهلك المحتوى في المترو، وفي الجامعة، وأثناء العمل، وقبل النوم مباشرة. وهنا بالتحديد بدأت الثورة الصينية تركز اهتمامها في عالم الدراما ولكن بصمت.
ظهرت المسلسلات القصيرة والعمودية المصممة خصيصاً للهواتف الذكية: حلقات سريعة، إيقاع متوتر، نهايات صادمة، وشخصيات قادرة على خلق ارتباط عاطفي فوري مع المشاهد.. أحداث تجعلك تنتقل إلى الحلقة الثانية والثالثة فالرابعة دون تردد. لم يعد الهدف أن يشاهد الجمهور القصة فقط، بل أن يبقى داخل التطبيق لأطول وقت ممكن. 
لقد تحولت الدراما إلى منتج مبني على تحليل البيانات والخوارزميات، تماماً كما تدار تطبيقات التواصل الاجتماعي٬ فيظهر أمامك اقتراح العمل الدرامي المعين حسب اهتمامات بحثك في شبكة الانترنت دون أن تتكبد عناء البحث بنفسك.
في الولايات المتحدة، هوليوود تصنع النجوم وتحلل اهتمامات المشاهد. أما في الصين فشركات الانتاج تصنع الى جانب ذلك كله، تحليلَ بيانات المتابع نفسه…..كم هو الوقت الذي يقضيه المشاهد؟ متى يشعر بالملل؟ متى يضغط على “الحلقة التالية”؟ وهل تعلق بشخصيات العمل؟ كلها أسئلة أصبحت جزءاً من هندسة صناعة المحتوى في الصين.
بعد هذا التفوق الكبير في عالم الدراما الذي تجاوز حدود ٦ مليارات دولار في عام واحد، تجلى للولايات المتحدة حقيقةً وهي أن الصين لا تنافسها فقط في المصانع أو التكنولوجيا، بل بدأت تنافسها في أهم ما امتلكته واشنطن لعقود: القوة الناعمة. فبينما تواجه هوليوود أزمات متزايدة تتعلق بارتفاع التكاليف وتراجع نسب المشاهدة التقليدية، تنجح الدراما الصينية في جذب ملايين الشباب حول العالم، وهو ما يعده الكثيرون أنها الفرصة الأمثل للصينيين لتصحيح مسار رؤية العالم لهم والتي صورتها لهم هوليود بالكائن «القصير ذي العينين الصغيرتين».
في عصر الهاتف، لم يعد الانتصار لمن يملك القصة الأضخم أو الميزانية الأكبر فقط، بل لمن يفهم فن لفت الانتباه بأبخس تكلفة. ولهذا تبدو كثير من الأعمال الأمريكية عالية الكلفة وغير متيسرة للجميع مقارنة بالمحتوى الصيني السريع والمكثف والمصمم خصيصاً لثقافة التصفح المستمر.
اليوم، لم تعد الصين ذلك المصنع البعيد الذي يقلد الآخرين، بل أصبحت قوة تنافس الولايات المتحدة في كل شيء تقريباً… في الصناعة، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والتطبيقات، والفضاء، والتصنيع العسكري.
ولهذا، فإن قصة المسلسلات الصينية ليست مجرد قصة ترفيه عابر، بل جزء من تحوّل عالمي أكبر، تحاول فيه بكين إعادة تشكيل موازين القوى في القرن الحادي والعشرين ضمن مضمار سباقٍ  يدعى القوى الناعمة. ففي عالم تتحكم فيه الخوارزميات بالشاشات، قد لا تكون أخطر قوة هي من يملك الصاروخ الأسرع، بل من يملك القدرة على جذب انتباه مليارات البشر لساعات طويلة كل يوم.. حروب اليوم  لم تعد تبدأ بصاروخ…فقد تبدأ بإشعارٍ صغيرٍ على الهاتف.


تابعنا على
تصميم وتطوير