رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
من الاشتراكية إلى اقتصاد السوق خارطة طريق للإصلاح الاقتصادي في العراق


المشاهدات 1542
تاريخ الإضافة 2026/05/30 - 10:31 PM
آخر تحديث 2026/06/08 - 1:19 PM

منذ أسابيع قليلة فقط، وتحديدا في 16 مايو/أيار 2026، تسلم السيد علي فالح الزيدي مهامه رئيسًا للوزراء في العراق، ليواجه تركة اقتصادية ثقيلة تجمع بين إرث نظام شبه اشتراكي مركزي يعود لعقود خلت، وريع نفطي هش جعل البلاد رهينة لتقلبات السوق العالمية.
ووسط خريطة طريق طموحة يضعها الزيدي، الذي يوصف بأنه رجل ذو «عقلية اقتصادية»، يبدو أن العراق -مجددا- يحاول القفز خارج دائرة «الاقتصاد القديم» الذي وصفه رئيس الوزراء بأنه «رفض أن يموت»، لصالح «اقتصاد حديث» يرفض حتى الآن أن يولد، حسب تعبيره في أول جلسة لحكومته.
الاقتصاد  القديم يرفض أن يموت
ما إن حلت حكومة علي الزيدي، حتى تبين أن «الاقتصاد القديم» لا يتمثل فقط في هيمنة الدولة على وسائل الإنتاج، بل في بِنًى كلية أكثر تعقيدا. فمنذ التحول المفاجئ عقب عام 2003، ورث العراق منظومة مركزية طالما عانت من تدخل الدولة المفرط والملكية العامة. ومع أن السلطة الانتقالية آنذاك حاولت فتح الأسواق بسرعة، إلا أن ذلك جاء -وفق خبراء- بشكل «تحول مزدوج (سياسي واقتصادي) مفاجئ وليس تدريجيا، مما تسبب في تضخم الجرعة التي تلقاها المجتمع العراقي».
والنتيجة النهائية كانت ولادة اقتصاد «هجين» أو «شكلي»، تظل الدولة فيه مالكة لوسائل الإنتاج الرئيسية (الأرض والنفط)، بينما تتعطل المصانع التي كانت تشكل عصب القطاع العام. في هذا الفراغ، كما حذر مفكرون، «تظهر الوحوش»، في إشارة إلى نفوذ الفساد والمحاصصة السياسية والنخب التي راكمت ثرواتها على أنقاض النظام القديم.
القطاع الخاص.. شريك أساسي لا بديل عنه
في مواجهة هذا التعقيد، كانت كلمة رئيس الوزراء الزيدي في أول جلسة حكومية صارمة: «المرحلة المقبلة ستشهد التخلص من الاقتصاد القديم والانطلاق نحو اقتصاد السوق». ولم تكن تلك الكلمات مجرد شعار، إذ تكررت في أكثر من محطة رسمية، أبرزها تأكيده المباشر أن «برنامج الإصلاح الحكومي سيعتمد على تنشيط قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والاستثمار، وتحفيز الطاقات والكفاءات العراقية»، مشددا على أن «دعم القطاع الخاص ليكون شريكاً أساسياً في بناء الاقتصاد الوطني» يقع في صدارة الأولويات.
هذه الرؤية لم تأت من فراغ؛ بل سبقتها تحركات فعلية، حيث تم تأسيس «صندوق العراق للتنمية» (عام 2023) ليكون مؤسسة مالية تهدف لدعم المشاريع الاستراتيجية في قطاعات حيوية وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، برأس مال سنوي يخصص من الموازنة العامة.
إصلاحات مالية ونقدية في مواجهة الريع النفطي
يمثل ملف المصارف الحكومية (الرافدين والرشيد تحديدا) حجر عثرة آخر أمام أي تحول جاد نحو اقتصاد السوق. فقد ظل العراق لسنوات عاجزا عن إعادة هيكلة هذين الصرحين المصرفيين العملاقين اللذين يعانيان من سوء الإدارة ودوران الأموال السياسية. ومع هذا، أقدم البنك المركزي العراقي -بدعم من الحكومة- على إطلاق خطط إصلاحية شاملة، تمنح المصارف خيارات صارمة: إما الالتزام بالمعايير الدولية، أو الاندماج مع بنوك أخرى، أو الانسحاب من السوق، في خطوة تهدف إلى دفع القطاع الخاص نحو احترام قواعد المنافسة والشفافية.
هذا، وتخطط الحكومة لتطبيق مبدأ الشراكة مع القطاع الخاص حتى في ملفات الطاقة والغاز، من خلال تمديد فترة الغلق المالي للمستثمرين، في إشارة إلى توجه جديد يقطع مع الاحتكار العام.
تحديات الريع والفساد والميراث الاشتراكي
رغم هذه الخطوات، تبقى العقبات شبه مستعصية. فبينما تتصدر «محاربة الفساد الإداري والمالي» و»حماية المال العام» قوائم أولويات الحكومة، لا يزال الاقتصاد العراقي يعاني من اعتماد كلي على النفط الذي يشكل أكثر من 90% من إيرادات الموازنة، مما يجعل أي إصلاح حقيقيا مرهونا بحسم معادلة صعبة: كيف تبني اقتصاد السوق وقطاعا خاصا وطنيا قويا، وأنت دولة ريعية موازنتها شبه كاملة من عرق أسود؟
يقول رئيس الوزراء الزيدي في هذا الصدد إن «بناء اقتصاد وطني قوي ومتنوع ومستدام لا يعتمد على مورد واحد» هو الهدف الأسمى، لكن تحويل هذا الهدف إلى واقع يتطلب معالجة ما وصفته دراسة بحثية بغياب «التحول الاجتماعي المؤسسي» وضعف الجهاز المصرفي، وهو ما أدى على مدى عشرين عاما إلى «شيوع الفساد وسوء مناخ الاستثمار وإحجام القطاع الخاص عن النشاط الاقتصادي».
دولار الإصلاح بين واشنطن ومؤسسات المال الدولية
على المستوى الخارجي، يبحث الزيدي عن الدعم الفني والمالي لإنجاز تحولته الاقتصادية. ففي 20 مايو/أيار 2026، التقى رئيس الوزراء بنائب رئيس البنك الدولي، حيث جرى التأكيد على «أهمية استمرار الإصلاحات الداعمة للقطاع الخاص»، ومناقشة تمويل مشاريع تنموية وربط القطاع الخاص بالتمويل الدولي عبر مؤسسة التمويل الدولية (IFC). كما تقوم حكومة الزيدي على إرث إصلاحي بدأه رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، الذي تمكن -رغم التحديات- من تحسين مؤشرات السوق والاستقرار المالي، حيث ارتفعت درجة تنظيم السوق العراقي وفق مؤشرات دولية من 4 إلى 5 درجات، ودرجة الاستقرار المالي من 6 إلى 7 بين عامي 2024 و2026. وتوصي تقديرات صندوق النقد الدولي بأن حزمة إصلاح شاملة، تشمل تحسين الحوكمة وتكثيف مكافحة الفساد، يمكن أن ترفع النمو غير النفطي بمقدار 4% إضافية على المدى المتوسط.
الخلاصة: ولادة متعسرة لسوق حقيقي
ربما لا يوجد تعبير أدق لوصف المشهد العراقي الحالي من عبارة الزيدي المقتبسة عن المفكر غرامشي: إنه عالم قديم يحتضر وآخر جديد يكافح من أجل الولادة. فالاقتصاد العراقي يسير بقدم في الماضي الاشتراكي الريعي، وبالأخرى نحو نافذة «اقتصاد السوق» بفرصه وتحدياته. إن نجاح حكومة الزيدي أو فشلها في هذه المهمة سيكتب فصلا جديدا في تاريخ العراق الاقتصادي: فإما أن يتحقق «التحول الشكلي» إلى النموذج الرأسمالي، وإما أن تظل البلاد أسيرة تعقيدات «ازدواجية بنيوية» تزيد من هشاشتها مع كل هبوط في أسعار النفط.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير