
منذ آلاف السنين، وقبل الميلاد بقرون طويلة، بزغ نجم أحد أشهر ملوك بلاد الرافدين، الملك البابلي حمورابي، الذي استطاع أن يوسّع نفوذ أجداده ويحكم بابل لمدة قاربت اثنين وأربعين عاماً، قبل أن يخلّد اسمه بإصداره مجموعة القوانين التي عُرفت لاحقاً بـ«شريعة حمورابي»، والتي لا تزال تُعدّ من أقدم التشريعات القانونية في التاريخ الإنساني.
ويُعد حمورابي الملك السادس في الأسرة البابلية الأولى، التي بسطت سيطرتها على وسط بلاد الرافدين، العراق الحالي، لما يقارب ثلاثة قرون، بين عامي 1894 و1595 قبل الميلاد. وتنحدر أسرته من القبائل العمورية، وهي قبائل شبه بدوية جاءت من مناطق غرب سوريا، وبدأ انتشارها في بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام منذ القرن الثالث قبل الميلاد، ما أثار حينها مخاوف سكان المدن القديمة الذين أقاموا الأسوار والتحصينات لصدّ تمددها.
ويعكس اسم حمورابي نفسه هذا التداخل الحضاري والثقافي؛ إذ تعني كلمة «حمو» في اللغة العمورية «العائلة»، بينما تعني «رابي» في اللغة الأكدية، التي كانت اللغة اليومية في بابل، «العظيم»، ليحمل الاسم دلالة رمزية على جذور متعددة صنعت واحدة من أعظم حضارات التاريخ.
لكن العراق، مهد الحضارات وموطن أولى الشرائع الإنسانية، لم يكن بمنأى عن المآسي والتحولات السياسية العاصفة عبر تاريخه الحديث. فقد شهد حرباً طويلة مع إيران استنزفت مقدراته لسنوات، أعقبها حصار قاسٍ، ثم الغزو الأمريكي الذي أدخل البلاد في مرحلة معقدة من الاضطرابات والانقسامات. ورغم حجم التحديات التي واجهها العراق، وما تعرض له من محاولات لإضعاف هويته التاريخية والحضارية، فإن هذا البلد العريق لا يزال يقاوم آثار الحروب والخراب. وخلال زيارة حديثة للعراق، بدا واضحاً أن روح الحياة لا تزال حاضرة في مدنه وشوارعه، وأن إرادة البناء تتغلب تدريجياً على سنوات الدمار.
فالعراقيون، بمختلف مكوناتهم، يواصلون العمل لإعادة إعمار ما خلفته الحروب، والسير نحو مستقبل أكثر استقراراً، في وقت تتراجع فيه مظاهر الانقسام والطائفية التي غذّتها سنوات الاحتلال والصراعات السياسية. وبين أطلال الماضي العريق وتحديات الحاضر، يظل العراق شاهداً على قدرة الحضارات الحية على النهوض مهما اشتدت الأزمات.