رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
فيصل الياسري .. سيرة مبدع عبر المرايا والذاكرة


المشاهدات 1051
تاريخ الإضافة 2026/05/20 - 10:30 PM
آخر تحديث 2026/05/21 - 2:46 AM

في تاريخ الإعلام العراقي والعربي، تبرز أسماء صنعت تحولات نوعية في بنية الخطاب الإعلامي، وأسهمت في صياغة وعي بصري وثقافي جديد، ومن بين هذه الأسماء يلمع اسم الراحل فيصل الياسري بوصفه واحداً من الرواد الذين جمعوا بين الإبداع الفني والرؤية المؤسسية.. لم يكن الياسري مجرد مخرج أو كاتب أو إعلامي تقليدي، بل كان مشروعاً ثقافياً متكاملاً، تنقّل بين الصحافة والسينما والتلفزيون، وترك بصمة واضحة في كل مجال دخله، من القصة القصيرة والشعر، إلى الإخراج السينمائي والتلفزيوني، وصولاً إلى تأسيس القنوات الفضائية، ظلّ هذا الاسم حاضراً في ذاكرة الأجيال، عبر أعمالٍ جمعت بين البعد التثقيفي والإنساني، وأخرى حملت هموم المجتمع العربي وأسئلته الكبرى ...


البدايات الأولى
وُلد فيصل الياسري عام 1933 في بيئة ريفية في ناحية المشخاب التابعة لمحافظة النجف، وهي بيئة غنية بالتقاليد والذاكرة الشعبية، ومشبعة بروح الحكاية والغناء. في تلك البيئة الزراعية، حيث يمتزج صوت الماء برائحة الأرض، تفتحت أولى ملامح وعيه الفني.
 لم تكن طفولته بعيدة عن التأمل أو الحس الجمالي، بل كانت مفعمة بمخزون إنساني عميق انعكس لاحقاً في أعماله. 
بدأ حياته الثقافية مبكراً من خلال كتابة القصة القصيرة والشعر، ونشر نصوصه وهو لا يزال طالباً في المرحلة الثانوية، وهو ما يدل على وعي مبكر بقدراته الأدبية.
 لم يكن هذا التوجه عابراً، بل شكّل اللبنة الأولى لمسيرة متعددة الأبعاد، إذ سرعان ما توسعت اهتماماته لتشمل الترجمة، بعد إتقانه اللغة الألمانية، ليكون من أوائل من نقلوا أعمال المسرحي الألماني برتولت بريخت إلى العربية.
مرحلة التكوين الأوروبي 
شكلت دراسته في فيينا نقطة تحول مفصلية في مسيرته، إذ حصل هناك على امتياز في فن الإخراج والإعداد التلفزيوني.
 هذه المرحلة لم تكن مجرد دراسة تقنية، بل كانت انفتاحاً على مدارس فنية وفكرية متقدمة، أسهمت في صقل أدواته ومنحه رؤية إخراجية حديثة.
بعد ذلك، عمل في تلفزيون ألمانيا الديمقراطية بين عامي 1959 و1962، وهي تجربة أضافت إلى خبرته بعداً احترافياً عالياً، حيث احتك بأنظمة إنتاج متقدمة، واكتسب مهارات تنظيمية وفنية انعكست لاحقاً في أعماله العربية.
العودة إلى بغداد
مع عودته إلى العراق، بدأ العمل في تلفزيون بغداد عام 1958، في مرحلة كان فيها التلفزيون العراقي لا يزال في بداياته.
 ساهم الياسري في بناء هذا الصرح الإعلامي من الداخل، ليس فقط كمخرج، بل كصانع محتوى يمتلك رؤية ثقافية واضحة.
لم يكن حضوره عادياً، بل كان جزءاً من جيل مؤسس وضع اللبنات الأولى للإعلام المرئي في العراق، وسعى إلى تقديم برامج تجمع بين الترفيه والمعرفة، وهو ما سيظهر لاحقاً في أبرز أعماله.
 الانفتاح والتأثير 
في منتصف الستينيات، انتقل الياسري للعمل في التلفزيون السوري، حيث بدأت مرحلة جديدة من التفاعل مع الوسط الفني العربي. 
هناك، نشأت علاقته الوثيقة مع الفنان السوري دريد لحام، والتي تحولت إلى صداقة طويلة الأمد وتعاون فني مثمر.
أخرج له مسلسل  حمام الهنا  وكتب له عدة سيناريوهات سينمائية، كما أسهم في تطوير تجارب مسرحية ضمن  مسرح الشوك.
هذه العلاقة لم تكن مجرد تعاون مهني، بل كانت حواراً فنياً بين تجربتين، انعكس على جودة الأعمال التي قدمها الطرفان.
السينما العراقية
 في سبعينيات القرن الماضي، اتجه الياسري بقوة نحو السينما.
 وقدم مجموعة من الأفلام الروائية التي شكلت إضافة مهمة للسينما العراقية، مثل  الرأس  و النهر  والقناص  وبابل حبيبتي. 
هذه الأفلام لم تكن مجرد أعمال فنية، بل كانت محاولات لطرح أسئلة اجتماعية وسياسية، ضمن رؤية تُعرف بـ»السينما البديلة.
شارك الراحل في تأسيس هذا التيار مع مجموعة من السينمائيين العرب والعراقيين، داعياً إلى تحرير السينما من القيود التجارية، ومنح المخرجين الشباب فرصاً للتجريب والابتكار. كانت رؤيته واضحة في أن السينما ليست مجرد ترفيه، بل أداة للتفكير والتغيير.
التلفزيون التربوي
يُعد برنامج افتح يا سمسم من أبرز محطات الياسري، وهو عمل تربوي موجه للأطفال، أسهم في تشكيل وعي أجيال عربية كاملة. 
لم يكن البرنامج مجرد نسخة عربية من برنامج عالمي، بل كان مشروعاً ثقافياً يهدف إلى بناء الطفل العربي معرفياً وسلوكياً.
إلى جانب ذلك، قدم برنامج سلامتك الذي ركّز على التوعية الصحية، وبرامج أخرى مثل المرايا  و الملف  التي تناولت قضايا اجتماعية وإنسانية بأسلوب بسيط وعميق في آن واحد.
الإدارة الإعلامية
في عام 1991، تولى إدارة تلفزيون العراق، في مرحلة حساسة من تاريخ البلاد. 
كانت هذه المهمة تتطلب مزيجاً من الخبرة والرؤية، وقد حاول من خلالها تطوير الأداء الإعلامي، رغم التحديات الكبيرة التي واجهت البلاد آنذاك.
تميّزت هذه المرحلة بمحاولة الحفاظ على المهنية، وتقديم محتوى يعكس واقع المجتمع، وهو ما جعل الكثيرين يرون فيه الرجل المناسب في المكان المناسب.
الحياة الشخصية
على الصعيد الشخصي، مرّ الياسري بتجارب متعددة، قبل أن يستقر في زواجه من الفنانة هند كامل عام 1984. 
هذه العلاقة لم تكن مجرد ارتباط عاطفي، بل شراكة فنية أيضاً، حيث شاركته في العديد من أعماله.
هند كامل، وهي ابنة الفنانين كامل الشندي وفوزية الشندي، كانت ممثلة موهوبة قبل زواجها، واستمرت في تقديم أعمال مميزة، ما جعل هذا الثنائي واحداً من أبرز الثنائيات الفنية في العراق.
الجوائز والتكريمات
حصل الياسري على العديد من الجوائز الدولية، أبرزها جائزة السلام من الأمم المتحدة عام 1984، وهي جائزة نادرة لم ينلها أي عراقي قبله، تقديراً لجهوده في تقديم برامج تخدم الأسرة العربية.
كما تم تكريمه في العديد من المحافل العربية، تقديراً لمسيرته الطويلة التي تجاوزت ستة عقود من العطاء.
القنوات الفضائية
يُحسب لفيصل الياسري أنه من أوائل من أدركوا أهمية الإعلام الفضائي في العالم العربي، فأسس قناة الديار، كأول قناة فضائية خاصة في العراق، في خطوة سبقت عصرها.
لم يكن هذا المشروع مجرد قناة، بل رؤية إعلامية تهدف إلى خلق فضاء حر للتعبير، وتقديم محتوى متنوع يجمع بين الثقافة والترفيه. 
وفي سنواته الأخيرة، عمل على مشروع الديار اليوم ، الذي وصفه بأنه مول إعلامي»، في محاولة لدمج مختلف أشكال المحتوى في منصة واحدة.
فلسفة الإبداع
ما يميز تجربة فيصل الياسري هو إيمانه العميق بالمهنية، وحرصه على الجمع بين الفن والرسالة. 
لم يكن يسعى إلى الشهرة بقدر ما كان يسعى إلى التأثير، وهو ما جعله يحظى باحترام واسع في الأوساط الفنية.
كان يؤمن بأن الإبداع لا يتحقق إلا من خلال العمل الجاد، والتعلم المستمر، والانفتاح على التجارب المختلفة، وهي مبادئ التزم بها طوال حياته.
الياسري إرثٌ لا يُمحى 
يمثل فيصل الياسري نموذجاً فريداً للمبدع العربي الذي جمع بين الفكر والممارسة، وترك بصمة واضحة في مجالات متعددة... من القصة إلى السينما، ومن التلفزيون إلى الإعلام الفضائي، ظلّ هذا الاسم حاضراً في كل مرحلة من مراحل تطور الإعلام العربي، فضلا عن المحلي.
إن استعادة تجربته اليوم ليست مجرد استذكار لماضٍ جميل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بل هي دعوة حقيقة للتأمل في كيفية بناء مشروع إعلامي متكامل من الجونب كافة، وقائم على المعرفة والالتزام، وقادر على مواكبة التحولات المتسارعة في العالم.
لقد كان الياسري -رحمه الله- بحق عرّاب القنوات الفضائية، وصانع ذاكرة إعلامية ستظل حاضرة في وجدان الأجيال، شاهدة على زمنٍ كان فيه الإبداع رسالة، والفن مسؤولية، والإعلام أداة لبناء الإنسان.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير