
النكبة الفلسطينية واحدة من أكثر الأحداث تأثيراً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، ليس فقط لأنها غيّرت مصير الشعب الفلسطيني، بل لأنها فتحت باباً طويلًا من الأزمات الإنسانية والسياسية التي لا تزال المنطقة تعيش آثارها حتى اليوم. وبينما يحيا الفلسطينيون في الخامس عشر من أيار- مايو من كل عام ذكرى النكبة، تبدو هذه الذكرى اليوم أوسع من مجرد حدث فلسطيني، إذ أصبحت رمزاً لمعاناة ممتدة عاشتها شعوب عديدة في الشرق الأوسط تحت عناوين الحرب واللجوء والنزوح وفقدان الاستقرار.
بدأت النكبة عام 1948 مع نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين وإعلان قيام دولة الكيان، وما رافق ذلك من حرب أدت إلى تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من مدنهم وقراهم. تحوّل الفلسطينيون خلال تلك الفترة من شعب يعيش على أرضه إلى لاجئين موزعين بين المخيمات والدول المجاورة، بينما اختفت قرى كاملة من الخريطة، وحل محلها قرى بمسميات اخرى. فيما بقيت أسماؤها الاولى محفوظة فقط في ذاكرة أهلها ورواياتهم المتوارثة مع مفاتيح لأقفال بيوتها.
كان الحدث بالنسبة للفلسطينيين أكثر من مجرد خسارة عسكرية؛ لقد كان انهياراً كارثياً، غيّر شكل الحياة الفلسطينية بالكامل.
لكن المفارقة الكبرى اليوم تكمن في أن النكبة وبعد سبعة عقودٍ عجاف٬ لم تعد تُقرأ فقط كحادثة تخص الفلسطينيين وحدهم، بل كواقعِ حالٍ تشهده المنطقة من موجات لجوء وانهيارات متتالية. فالأجيال التي لم تعش أحداث 1948 زاولت عمليات اقصاءٍ وترحيل لم تقل شأناً عما حدث في فلسطين. فقضية اللجوء لم تبقَ حبيسة الأراضي الفلسطينية، بل امتدت إلى دول تُعدُ بروتوكوليا دولا مستقلة وذات سيادة، لكنها وجدت نفسها لاحقا غارقة في الانقلابات العسكرية والحروب والانقسامات.
ففي العراق وما خلّفته حرب الخليج الأولى 1980 ، ثم الثانية 1991 وصولاً إلى غزو العراق 2003، أدى إلى ظهور ملايين النازحين واللاجئين داخل العراق وخارجه، وتحوّلت الهجرة القسرية إلى جزء من الحياة اليومية في المنطقة. وتشير تقديرات منظمات دولية ودراسات سكانية إلى أن عدد العراقيين المقيمين خارج العراق، بين لاجئين ومهاجرين ومنفيين، يتراوح تقريبيا بين 4 و6 ملايين شخص موزعين على دول الجوار وأوروبا وأمريكا الشمالية.
الأمر نفسه تكرر في سوريا بعد حرب عام 2011، حيث شهد العالم واحدة من أكبر موجات اللجوء في العصر الحديث. القضية التي تحولت منذ ذلك العام إلى واحدة من أكبر أزمات اللجوء في العصر الحديث، إذ تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى وجود ما يقارب 5 إلى 6 ملايين لاجئ سوري خارج البلاد، إضافة إلى ملايين النازحين داخلها. ولم تتوقف المأساة عند العراق وسوريا، بل امتدت إلى لبنان واليمن وليبيا، إذ باتت الحروب والانقسامات السياسية تنتج باستمرار أجيالا جديدة من اللاجئين والنازحين. وهكذا وكأن المنطقة بأكملها تعيش بأشكال مختلفة التجربة ذاتها التي عاشها الفلسطينيون قبل أكثر من سبعين عامًا. بهذا المعنى، تبدو النكبة الفلسطينية وكأنها بداية رواية طويلة من عدم الاستقرار الإقليمي، فصولها لم تتوقف عند حدود فلسطين، بل تجاوزتها بأميال، فأعادت تشكيل مفهوم الوطن لتلك الدول المجاورة والهويات التي انبثقت منها، بل والاعلام التي اتشحت بها، التي هي بالاساس ابتكارات استعمارية.
اللاجئ الفلسطيني الذي كان يُنظر إليه عام 1948 كاستثناء سياسي وإنساني، أصبح اليوم صورة مألوفة في نشرات الأخبار العربية والعالمية، من غزة إلى بغداد، ومن دمشق إلى صنعاء وطرابلس. وان عاد هذا المشهد بقوة إلى الواجهة في فلسطين، في ظل التطورات الأخيرة في غزة بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 فصور العائلات النازحة والخيام والدمار أعادت إلى الأذهان صور الفلسطينيين الأوائل الذين غادروا قراهم قبل أكثر من سبعين عاماً. وكأن المنطقة تدور في دائرة متكررة من الصراعات التي تُنتج في كل مرة موجة جديدة من الألم الإنساني والاقتلاع من الجذور. وكأن ما حدث ويحدث فرصة لإنعاش الذاكرة السمكية التي تتحلى بها المنطقة.
إن الربط بين النكبة والأحداث الحالية لا يعني التطابق الكامل بين الماضي والحاضر، فلكل حرب ظروفها وتعقيداتها المختلفة، لكنه يكشف حقيقة مشتركة عاشتها شعوب المنطقة: هشاشة الاستقرار، وسهولة تحوّل الإنسان في الشرق الأوسط من مواطن إلى لاجئ خلال لحظة سياسية أو قرار عسكري. وهكذا تبدو المنطقة بأسرها وكأنها تنزلق نحو حالةٍ من التشظي والاقتلاع تشبه، بدرجات مختلفة، فلسطين 48 حتى كأن الشرق الأوسط يتحول تدريجياً إلى “فلسطينٍ كبرى” تتكرر فيها مشاهد النزوح وفقدان الاستقرار وتآكل الحدود٬ الواقع الذي يخدم بصورة او باخرى تصورات الكيان المرتبطة بفكرة “إسرائيل الكبرى”، عبر إضعاف محيطها العربي واستنزافه في صراعات داخلية طويلة.
وهكذا تكون النكبة وبعد مرور عقود طويلة عليها، لا تزال حاضرة بقوة في الوعي الجمعي العربي، ليس فقط كذكرى فلسطينية، بل كمرآة تاريخية تعكس ما آلت إليه المنطقة بأسرها. وربما لهذا السبب تبقى ذكرى النكبة حية حتى اليوم، لا لأنها اعوجاج ينبغي تصحيح مساره بل لأنه توأمة لحاضر بلادننا الحالي. لم تعد النكبة مجرد حدث في الماضي، بل أصبحت جرحا غائر في النفوس وسؤالا يبحث في مستقبل دول الشرق الأوسط كلها. فهل نحن أمام فلسطين كبرى؟