رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
عامر عبد الرزاق أيقظ صوت التاريخ


المشاهدات 1097
تاريخ الإضافة 2026/05/18 - 11:36 PM
آخر تحديث 2026/05/19 - 7:38 AM

في زمن كثرت فيه الاصوات العابرة، وضاعت فيه الحقائق بين الضجيج والاتهامات، يبرز اسم الدكتور عامر عبد الرزاق واحدا من الشخصيات الوطنية الاكاديمية التي حملت هم الذاكرة التاريخية للعراق، وسعت لإعادة ربط الانسان العراقي بجذوره العميقة الممتدة عبر الاف السنين حيث لا يظهر هذا الرجل كاتبا تقليدي في مجال الاثار او كباحث يكتفي بالعمل داخل حدود الكتب والمراجع انما هو صوت يحاول ان يعيد للحضارة العراقية حضورها في الوعي العام ويجعل التاريخ جزءا حيا من حياة الناس اليومية ..  هذا الباحث الذي ارتبط اسمه بقراءة تاريخ بلاد الرافدين لم يتعامل مع الماضي بوصفه مادة جامدة او سردا قديما ينتهي عند حدود الزمن القديم، إنما تعامل معه كقوة حية قادرة على اعادة تشكيل الوعي وبناء العلاقة بين الانسان وارضه، فالعراق في رؤيته ليس مجرد بلد عادي في الجغرافيا الحديثة انما هو مركز انطلاق اولى الحضارات التي قدمت للعالم الكتابة والقانون والعلم والفلك والزراعة، وهذا ما يجعل من استحضار تاريخه مسؤولية فكرية وثقافية تتطلب شجاعة في الطرح وامانة في النقل وقدرة على تبسيط المعرفة دون تشويهها او اخراجها من سياقها العلمي. 
عمل الدكتور عامر على نقل التاريخ من فضاء النخبة الاكاديمية الى فضاء الناس الواسع فصار الحديث عن حضارة سومر وبابل واور وحضارات بلاد الرافدين اكثر حضورا في النقاشات العامة، واكثر قرباً من الشباب والمهتمين بعد ان كان محصورا في قاعات الدراسة ومؤلفات الجامعات، وهذا التحول في طريقة عرض التاريخ يعد خطوة مهمة في اعادة بناء الوعي الجمعي لان الشعوب التي تنقطع عن تاريخها تفقد تدريجيا جزءا من هويتها وتصبح اكثر عرضة للنسيان والضياع الثقافي، ورغم ما أُثير من اختلاف في وجهات النظر إلا ان هذا الاختلاف يعكس حجم التأثير الذي تركه في الساحة الفكرية والثقافية، إذ ان الشخصيات التي تترك أثرا حقيقيا لا تمر مرور عابر انما تفتح مساحات واسعة للنقاش وتدفع الاخرين الى اعادة التفكير في المسلمات السائدة وهذا بحد ذاته يعد جزءا من الحركة الفكرية الصحية التي تحتاجها أي دولة تسعى الى النهوض، فما ميز هذا المسار الفكري هو اعادة الاعتبار لحقيقة ان العراق ليس مجرد اسم في خارطة العالم انما (خارطة العالم مرسومة داخل العراق)، فالعراق بلد بحجم الكوكب وهو الحضارة الممتدة التي تركت بصماتها على تاريخ الانسانية جمعاء، وان استحضار هذه الحقيقة يمنح الانسان العراقي شعورا بالانتماء والاعتزاز ويعيد تشكيل نظرته الى نفسه والى وطنه، ومع كل هذا يظل النقاش حول الطروحات العلمية أمرا طبيعيا ما دام في اطار المعرفة والحوار وليس في اطار التجريح او التشويه لان بناء الوعي لا يتم بالصوت العالي انما يتم بالفكر والبحث والتأمل.  
وفي النهاية يمكنني القول إن الدكتور عامر عبد الرزاق شخصية قل نظيرها في هذا الوقت، ويمثل انموذجا للشخصية العراقية الوطنية والاكاديمية التي قربت التاريخ الى الناس، واعاد فتح الابواب المغلقة امام الذاكرة العراقية، وان تذكر الجميع بأن هذا الوطن الذي انجب اولى الحضارات لا يمكن ان يكون هامشيا في الوعي الانساني، وان رسالته سواء اتفق معها البعض او اختلف تبقى جزءا من حركة فكرية تسعى الى اعادة قراءة الماضي لفهم الحاضر، وبناء المستقبل بشكل أكثر وضوحًا وعمقا . 


تابعنا على
تصميم وتطوير