
لم يبق في الذاكرة من القراءة الأولى لكتاب جماليات المكان لمؤلفه جاستون باشلار ، سوى كلمات متناثرة ومعلومات مبعثرة ، فقد مضى على تلك القراءة ثلاثة عقود ونيفٍ ، ترسبت منها إشارات حول أهمية المكان ، والعلاقة الوجدانية بين الانسان والاشياء المحيطة لا سيما في مرحلة الطفولة أو الصفحة البيضاء التي تنقش فيها صور النشأة الأولى والحميمية ، لتستقر في العقل والجنان ، كالبيت ، المدرسة ، البستان ، النهر ، الجداول ، الازقة ، الجدران ، والغرف وقبلها الانسان .. الأم ، الأب ، الأخ ، الأخت ، الجيران والأصدقاء الذين ترتبط معهم بعلاقات نقية وصادقة .
تلك الصور لا يمكن أن تمحى من الذاكرة مع تعدد وتغير الأمكنةوالافراد والحوادث والصدمات والعلاقات المتنوعة التي تفرض لأسباب مختلفة ، وتكشف عن التلوث الذي يصيب الانسان . مع تقدم وتغير الحياة ، ليعود بين الحين والآخر الى تلك الصفحة الأولى التي تشبه صفاء المرآة .
غير أن تلك القراءة أخذت تستيقظ مع كتاب (زَخيخة / الخيال وذاكرة المكان) للكاتب البارز الدكتور طه جزاع ، وهو يربط بين ما جاء في كتاب الفيلسوف الفرنسي وكتابه المشحون بالعلامات لقرية زخيخة وأثرها على شخصيته التي تتسم بالنقاء والقيم التي ورثها من تلك البيئة ، وما زالت تؤثر في سلوكه وهو ينبش في الذاكرة ، ليسطرها بأسلوب رشيق ورموز شتى ، لأن الذاكرة ، صور متراكمة من الأمكنة بكل ما تحمل وما تخزن من جماليات للإنسان والطبيعة والحيوانات ، والعلاقات الحميمية التي تنشأ وجدانياً وعقلياً مع المحيط المختلف شكلاً ومعنى .
فهو يقول إن هذا الكتاب لا يكتب تاريخ قرية، ولا يرصد تحولاتها الاجتماعية أو المدنية ، ولا يدعي أنه يوثقها بوصفها موضوعاً إثروبولوجياً . إنه، على نحو أدق ، محاولة لكتابة المكان كما عشته ، كما تسلل الى الحواس ، وترسب في الخيال، وكما عاد لاحقاً في الذاكرة ، وقد تغير شكله لكنه إحتفظ بجوهرة . زخيخة هنا ليست موضوعاً ، بل ذات ثانية ، أو صورة أولى ظلت ترافق كل الأمكنة التي عرفتها بعدها . وحين قرأت الكتاب الذي لا يتجاوز 84 صفحة ، شعرت بالانتماء، لتعكس سطوره المكان الأول الذي ولدت ونشأت فيه، السماوة منطقة الشرقي (الشرجي)، ليس لتشابه زخيخة الريفية وجمال طبيعتها ، وإنما الحنين للمكان الأول بأزقته وبيوته والطفولة والبراءة والاستكشاف المبكر للحياة والمجتمع ، فضلاً عن تغير سلوكيات وعلاقات الجيران التي كانت تتعامل وكأن الجميع عائلة واحدة في أخلاقها وتراحمها وتكافلها . إذ يؤكد ( لكل منا زخيخته الخاصة ، المكان الذي شهد بداياته الأولى، واحتفظ في أعماقه بصدى صوته وخطاه ) .
لذلك يرى أن ما يميز باشلار ضمنياً بين نوعين من الذاكرة ، الذاكرة التاريخية ، التي تهتم بالوقائع والتواريخ ، والذاكرة الحميمية ، التي تهتم بالتجربة الداخلية. جماليات المكان تنتمي الى النوع الثاني . إنها لا تسأل ، متى حدث ذلك ؟ بل تسأل، كيف عُشناه ؟ كيف شعرنا بالمكان ؟ ماذا فعل فينا ؟ .
لم يتناول الدكتور جزاع المكان حسياً فحسب وإنما أيضاً ، لاسيما ماء النهر وأثره على الانسان ، تلك العلاقة المشوبة بالصداقة والعداوة تاريخياً لابن الرافدين ، حين يهدأ الفرات ويوم يهاجم المزارع والبيوت والمضايف الواقعة على الضفاف ، وهي أحد العوامل التي – يعتقدها عدد من المختصين – أسهمت بحزن العراقيين وغضبهم تاريخياً .
ويرى أن المسافة الدقيقة بين البيت والنهر ليست صدفة ، إنما حكمة مكانية قديمة. فالنهر في الذاكرة الريفية ليس منظراً جمالياً فقط ، بل قوة ، صديقاً حين يهدأ ، وعدواً حين يغضب . الجدران سميكة ، النوافذ طويلة ، والفتحات محسوبة . هذا ليس بيتاً منفتحاً على الخارج ،بل بيت يحمي الداخل ، في لغة باشلار .
ويمنح الكاتب قدراً من التشويق للقارئ ، ليس تبسيطاً وإنما عيمياً روحياً حين ذكر حكايات الشيخ مزبان الشوكة والعمة الفرنسية ، وبناء مقام النبي يونس وطائر القطى وبنات نعش والمدرسة التي يصفها ( ليست بمكان معرفة فقط ، بل مكان ترويض رمزي )، إضافة الى علاقة الانسان بالنهر الذي ( لا يدعوك للدخول الكامل ، بل يعلمك معنى المسافة . مسافة بين الرغبة والخطر ، بين الفضول والخشبة) . فيما يرى غاستون باشلار أن الماء هو أكثر العناصر التصاقاً بالخيال.. إنه لا يقدم صورة واحدة ، بل سلسلة صور متحولة . الماء مرآة ، وطريق ، وذاكرة ، ونسيان في الوقت نفسه .
ليسترسل في حكاياته الى رموز أخرى كالمضيف والنخلة وماء النهر الذي لا يكذب ولا يطمئن ، ولحظات الغرق التي أعادته الى الرحم الأول والشعور بالاختناق. ليخوض ثنائية الموت البطيء والولادة مبكراً ، تلك الثنائية التي طالما عشناها خلال العقود المنصرمة ، إبان سنوات القمع ، الحروب ، الحصار والإرهاب .
فقد أفاض المؤلف بوصف النهر وأهميته، ومنح معناه بُعداً فلسفياً في علاقته مع الانسان والمكان . فقد كانت صفحات في الماء وذاكرة الفرات مدهشة، مثلما السطور والصفحات التي ضمها الكتاب. تلك الأمكنة وأثرها على حياة الأهالي في الأرياف التي تمتاز بالعلامات الطبيعية والاجتماعية لمعالجة الحاجات والمشاكل التي تواجه الانسان لاسيما في تلك الظروف القاسية في مطلع القرن الماضي ومازالت قائمة لغاية اللحظة .
إن نص زَخيخة تلتقي فيه الفلسفة والادب والصحافة أسلوباً ومعنى، فالكاتب تمرس في ميادينها على مدى خمسة عقود أكاديمياً وصحافياً ليوظف تلك التجارب ويزبرها في زَخيخة.