رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
السلطة والهيمنة من خلال اللغة


المشاهدات 1090
تاريخ الإضافة 2026/05/17 - 10:14 PM
آخر تحديث 2026/05/18 - 4:53 AM

يُعد كتاب «اللغة والسلطة» وهو من تأليف اللغوي البريطاني نورمان فيركلاف من الأعمال التأسيسية في حقل اللسانيات الاجتماعية النقدية، وقد أسّس من خلاله نورمان فيركلاف أحد أهم المناهج الحديثة في تحليل الخطاب. ينطلق الكتاب من فكرة مركزية مفادها أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل أو نقل المعلومات، بل هي فضاء اجتماعي تُمارَس داخله السلطة، وتُعاد من خلاله إنتاج البنى الاجتماعية والسياسية، أو مقاومتها وتفكيكها. يأتي هذا العمل في سياق نقدي واسع للمقاربات اللغوية التقليدية التي تعاملت مع اللغة كنسق مستقل عن المجتمع، بينما يصرّ فيركلاف على أن كل ممارسة لغوية هي ممارسة اجتماعية محمّلة بالأيديولوجيا، وتخضع لعلاقات القوة داخل المجتمع.
ينطلق نورمان فيركلاف من أطروحة أساسية مفادها أن اللغة ليست أداة محايدة، بل هي ممارسة اجتماعية مشبعة بالسلطة، تؤدي دورًا محوريًا في إنتاج الهيمنة الاجتماعية، وتثبيت الأيديولوجيا، أو مقاومتها. ويؤسس الكتاب لما يُعرف بـ التحليل النقدي للخطاب، وهو منهج يربط بين البنية اللغوية للنصوص والسياقات الاجتماعية والسياسية التي تُنتَج داخلها، ويكشف كيف تُمارَس السلطة عبر اللغة اليومية، والمؤسسات، والإعلام، والتعليم، والخطاب السياسي.
المحور الأول: الدراسة النقدية للغة – الأسس النظرية
يضع فيركلاف في بداية الكتاب الأساس النظري لمشروعه النقدي، منتقدًا التصورات اللسانية التقليدية التي تفصل اللغة عن الواقع الاجتماعي.
يرى أن اللغة لا تعكس الواقع فقط، بل تُسهم في تشكيله وإعادة إنتاجه، وأن تحليلها لا يمكن أن يكون صحيحًا إلا إذا أُخذت بعين الاعتبار علاقات القوة، والتاريخ، وعدم المساواة الاجتماعية.
في هذا السياق، تصبح اللغة نشاطًا اجتماعيًا حيًا ومتغيرًا، لا بنية مغلقة أو نظامًا تجريديًا مستقلًا، بل مجالًا دائمًا للصراع والتفاوض بين القوى الاجتماعية المختلفة.
المحور الثاني: الخطاب بوصفه ممارسة اجتماعية
يقدّم فيركلاف مفهومًا مركزيًا للخطاب بوصفه ممارسة اجتماعية وليس مجرد كلام أو نص لغوي.
فالخطاب، في نظره، هو الوسيط الذي يربط بين البنية الاجتماعية (الاقتصاد، السياسة، المؤسسات) وبين الفعل الفردي، وهو المجال الذي تُعاد فيه صياغة علاقات السلطة أو تُقاوَم وتُفكَّك.
ويؤكد أن كل خطاب، مهما بدا بسيطًا أو يوميًا، يحمل في داخله آثارًا مؤسساتية وأيديولوجية، ويشارك في إنتاج الواقع الاجتماعي أو تغييره.
—المحور الثالث: السلطة، الأيديولوجيا، والمنطق السليم
يحلل فيركلاف العلاقة بين اللغة والسلطة، موضحًا أن السيطرة لا تُمارَس فقط عبر القمع المباشر، بل أيضًا عبر ما يسميه “المنطق السليم” (Common Sense).
هذا “المنطق السليم” هو مجموعة من الأفكار التي تبدو طبيعية وبديهية، لكنها في الواقع نتاج تاريخي وأيديولوجي يعكس مصالح قوى اجتماعية معينة.
وتنجح الأيديولوجيا حين تُخفي طابعها الأيديولوجي، وتقدّم نفسها بوصفها وصفًا طبيعيًا ومحايدًا للعالم، وهكذا تتحول اللغة إلى أداة لتطبيع الهيمنة الاجتماعية والسياسية، خصوصًا في الإعلام والخطاب السياسي والإداري.
المحور الرابع: التحليل النقدي للخطاب – المنهج والتطبيق
يقدّم فيركلاف منهجًا تحليليًا دقيقًا للتحليل النقدي للخطاب، يقوم على ثلاثة مستويات مترابطة: الوصف: تحليل البنية اللغوية للنص (المفردات، التراكيب، الصيغ النحوية والأسلوبية). التفسير: ربط النص بعمليات الإنتاج والتلقي داخل السياق الاجتماعي والمؤسساتي. الشرح: تفسير الخطاب في ضوء علاقات السلطة والبنى الاجتماعية الأوسع.كما يناقش موقع الباحث نفسه، مؤكدًا أن المحلل ليس محايدًا تمامًا، بل هو جزء من الصراع المعرفي والاجتماعي، وأن البحث اللغوي نفسه يحمل بعدًا أيديولوجيًا. المحور الخامس: الإبداع والصراع في الخطاب – نموذج الثاتشرية يقدّم فيركلاف تطبيقًا عمليًا على خطاب السياسات الاقتصادية في عهد مارغريت ثاتشر في بريطانيا. يوضح كيف أعاد هذا الخطاب تشكيل المفاهيم السياسية والاقتصادية عبر إدخال مفردات السوق، والفردانية، والمسؤولية الشخصية، بطريقة تبدو طبيعية وعقلانية، لكنها في الواقع تعكس تحولات عميقة في بنية السلطة والاقتصاد.


تابعنا على
تصميم وتطوير