
يُعدّ هذا الكتاب من أهم الأعمال المرجعية التي كُتبت عن العراق الحديث في القرن العشرين، ليس فقط بسبب ضخامته، بل بسبب منهجه التحليلي غير المسبوق. فقد حاول المؤرخ الفلسطيني حنا بطاطو أن يكتب تاريخ العراق من الداخل الاجتماعي العميق، أي من خلال دراسة الطبقات والفئات الاجتماعية، والبنية الريفية، والعلاقات الاقتصادية، والتكوين الطائفي والإثني، بدلاً من الاكتفاء بسرد الانقلابات والأحداث السياسية.
اعتمد بطاطو على مصادر نادرة للغاية، شملت ملفات الأمن السياسي العراقي، وتقارير الاستخبارات البريطانية، ووثائق الأحزاب السرية، إضافة إلى مقابلات مباشرة مع شخصيات سياسية وعسكرية وحزبية. لذلك اكتسب الكتاب قيمة استثنائية بوصفه أرشيفًا ضخمًا وتحليلًا اجتماعيًا–سياسيًا في آن واحد.
يرتكز الكتاب على أطروحة أساسية مفادها أن التحولات السياسية الكبرى في العراق — من صعود الحركات الثورية إلى الانقلابات العسكرية والثورات الاجتماعية — لا يمكن فهمها من خلال الشعارات والأيديولوجيات وحدها، بل من خلال البنية الطبقية والاجتماعية التي أنتجتها.
فالحزب الشيوعي، والبعث، والضباط الأحرار، والحركات القومية، لم تظهر من فراغ، بل كانت تعبيرًا عن تحولات عميقة في الريف والمدينة، وعن أزمة النظام الاجتماعي التقليدي القائم على سلطة ملاك الأراضي والشيوخ والبيروقراطية القديمة.
يقدّم بطاطو تشريحاً دقيقاً للبنية الاجتماعية في العراق خلال أواخر العهد العثماني وبدايات الدولة الحديثة ثم العهد الملكي. يناقش تكوين “الطبقات القديمة” مثل كبار ملاك الأراضي الذين شكّلوا العمود الفقري للسلطة الريفية، والشيوخ الذين جمعوا بين النفوذ الاجتماعي والاقتصادي، والسادة الذين امتلكوا شرعية دينية ورمزية، إضافة إلى البيروقراطية القديمة من موظفين ووجهاء المدن، وكذلك التجار والجماعات المالية مثل اليهود والصيارفة. ما يهم بطاطو هنا ليس الوصف فقط، بل تحليل كيف تداخلت هذه الفئات مع الدولة والسلطة الاستعمارية البريطانية، وكيف ساهمت في تثبيت أو تعطيل تشكل الدولة الحديثة. كما يبيّن أن المجتمع العراقي كان شديد التعدد والانقسام الإثني والديني، وأن هذا التعدد لم يكن مجرد خلفية ثقافية بل عنصر بنيوي في تشكيل السياسة.
ينتقل إلى نشوء وتطور الحركة الشيوعية العراقية، التي يعتبرها أكثر الحركات السياسية عمقاً وانتشاراً بين الفئات الشعبية في العراق قبل 1958. يبدأ بتحليل جذور الفكر الاشتراكي في المشرق، ثم يدرس تشكل الحزب الشيوعي العراقي في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، مع التركيز على شخصيات مفصلية مثل فهد، الذي يعتبره بطاطو رمزاً لتحول الحزب من مجموعة نخب مثقفة إلى تنظيم جماهيري منضبط. يتناول هذا الجزء طبيعة التنظيم السري، العلاقة مع الكومنترن، البنية الطبقية للحزب، التمويل، والانقسامات الداخلية، إضافة إلى علاقته بالقضايا الكبرى مثل فلسطين والانقلابات العسكرية. كما يربط بين صعود الشيوعية وظروف اجتماعية مثل التفاوت الطبقي، تدهور الريف، وتوسع المدن.يوسّع بطاطو التحليل ليشمل التفاعل بين الشيوعيين، البعثيين، والضباط الأحرار، وصولاً إلى ثورة 14 تموز 1958 وما بعدها. هنا يظهر العراق كساحة صراع بين مشاريع سياسية مختلفة: مشروع يساري جماهيري، مشروع قومي عربي، ومشروع عسكري سلطوي. يدرس الكتاب بدقة أحداث مثل صعود عبد الكريم قاسم، التوتر بين القوى السياسية، أحداث الموصل وكركوك 1959، ثم تراجع الشيوعيين وصعود البعثيين لاحقاً. ويخلص إلى أن الثورة العراقية لم تكن لحظة واحدة، بل سلسلة من التوازنات المتغيرة بين قوى اجتماعية وسياسية غير مستقرة.
من الناحية المنهجية، يقوم عمل بطاطو على مقاربة تجمع بين التحليل الماركسي للطبقات ومنهج ماكس فيبر في دراسة المكانة الاجتماعية، مع اهتمام شديد بالبنية الواقعية للمجتمع لا بالأيديولوجيا المجردة. لذلك يُعتبر الكتاب محاولة لفهم التاريخ السياسي من خلال “الأساس الاجتماعي العميق” وليس فقط من خلال الأحداث أو الشخصيات.
فقد اعتُبر الكتاب منذ صدوره مرجعاً تأسيسياً في تاريخ العراق الحديث، لكنه وُجهت إليه أيضاً ملاحظات تتعلق بالتركيز الكبير على العامل الطبقي أحياناً على حساب العوامل الثقافية والفكرية المستقلة، إضافة إلى كثافة المادة التحليلية التي تجعل قراءته صعبة على غير المتخصصين. ومع ذلك، لم ينجح أي عمل لاحق في تجاوز حجمه أو عمق أرشيفه أو شموليته.
يريد بطاطو أن يثبت أن التاريخ السياسي للعراق لا يُفهم من خلال الانقلابات والثورات فقط، بل من خلال البنية الاجتماعية العميقة التي تنتج هذه التحولات. فالثورة، في نظره، ليست حدثاً معزولاً، بل نتيجة تراكمات طويلة من التفاوت الطبقي، والتحولات الريفية، وصراع النخب.
يمثل الكتاب محاولة نادرة لكتابة تاريخ العراق بوصفه تاريخاً اجتماعياً شاملاً، لا مجرد سرد سياسي. قوته الأساسية تكمن في الجمع بين الأرشيف الضخم والتحليل البنيوي، ما جعله مرجعاً لا غنى عنه لفهم تشكل الدولة العراقية الحديثة وصعود الحركات الثورية فيها.