رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
ضياء البياتي سيرة فنان صنع ذاكرة المسرح والسينما العراقية


المشاهدات 1069
تاريخ الإضافة 2026/05/17 - 10:13 PM
آخر تحديث 2026/05/18 - 4:53 AM

تمثل سيرة الفنان العراقي الراحل ضياء البياتي واحدة من أهم المسارات التي أسهمت في بناء ملامح الفن العراقي الحديث، سواء في المسرح أو السينما أو الإذاعة والتلفزيون، فهو ليس مجرد ممثل أو مخرج أو كاتب، بل حالة فنية مركبة امتدت عبر عقود طويلة من العمل الثقافي والإبداعي والمؤسساتي، لتشكل تجربة متكاملة تجمع بين الموهبة والوعي والتوثيق ...

انطلق البياتي من بيئة اجتماعية محافظة في مدينة الحلة، لكنه استطاع أن يشق طريقه نحو الفن بإصرار، متجاوزًا القيود العائلية، ليصبح أحد أبرز أعمدة الحركة الفنية في العراق، ومساهمًا فاعلًا في تأسيس مؤسساتها وتطوير أدواتها. 
إن قراءة تجربته لا تعني فقط استذكار مسيرة فرد، بل استحضار مرحلة كاملة من تاريخ الفن العراقي بكل تحولاتِه، من البدايات البسيطة إلى الانفتاح العربي والدولي وقد فضلت ان اتناول سيرته كمراحل زمنية متعددة
النشأة والتكوين الاجتماعي
وُلد ضياء البياتي في 10 تشرين الأول 1937 في مدينة الحلة، ضمن عائلة متوسطة الحال كان همها الأساسي تعليم أبنائها وضمان مستقبلهم الوظيفي. عمل والده مديرًا لمالية لواء الحلة، ما أتاح للأسرة الاحتكاك بطبقة اجتماعية وثقافية متنوعة، إذ جاوروا شخصيات إعلامية وأدبية بارزة مثل المذيع غازي فيصل والشاعر حميد سعيد.
ورغم أن البيئة العائلية كانت تنظر إلى الفن باعتباره خيارًا غير مرغوب، إلا أن بذور الشغف بدأت مبكرًا، خصوصًا من خلال احتكاكه بأحد أقاربه، عازف العود خزعل فاضل، الذي كان يمتلك محل حلاقة قرب دور السينما. هناك، في تلك المساحة الصغيرة، تشكلت علاقة ألبياتي الأولى مع الفن، حيث جمع بين الاستماع للموسيقى ومشاهدة الأفلام، ليتحول هذا الاحتكاك إلى ولع حقيقي بالسينما.
انتقال العائلة لاحقًا إلى بغداد عام 1952 شكّل نقطة تحول مفصلية، إذ انفتح على بيئة حضرية أكثر تنوعًا، وبدأت ملامح اهتمامه الفني تتبلور بوضوح، خاصة مع ازدهار دور السينما التي كان عددها يصل إلى 62 دارًا في العاصمة، ما أتاح له متابعة مستمرة للأفلام العالمية والعربية.
البدايات الفنية
في مدرسة البتاوين ببغداد، بدأت أولى خطواته الفعلية في التمثيل، عندما أشرف الأستاذان عبد الأمير الأعسم وكامل القيسي على نشاط مسرحي مدرسي. تم اختيار البياتي إلى جانب زميله بهجت عبد الواحد لأداء أدوار تمثيلية، وهو ما رسّخ داخله الرغبة في الاستمرار بهذا المجال.
لم يكن المسرح المدرسي مجرد تجربة عابرة، بل كان بمثابة اللحظة التأسيسية التي نقلته من الإعجاب بالفن إلى ممارسته، خاصة مع الدعم الذي تلقاه من أساتذة يمتلكون خبرة فنية حقيقية.
 التأسيس الأكاديمي وصناعة الموهبة
رغم رفض والده في البداية، أصر البياتي على دخول معهد الفنون الجميلة، وتمكن من اجتياز اختبار القبول عام 1958 أمام لجنة ضمت أسماء بارزة مثل ناجي الراوي ووجيه عبد الغني.
في المعهد، تلقى تعليمه على يد رواد الفن العراقي، منهم حقي الشبلي في التمثيل، وإبراهيم جلال في الإخراج، وجعفر السعدي في الإلقاء. ولم يكتفِ بالدراسة النظرية، بل برز بسرعة من خلال مشاركاته العملية في المسرح، حيث أُسندت إليه أدوار رئيسية، إضافة إلى إبداعه في مجال الإضاءة المسرحية.
شارك في أعمال مسرحية مهمة مثل  أوديب ملكًا  ثم غاب القمر ، وتميز أداؤه لدرجة أن إدارة المعهد اختارته ليكون في مواقع تطبيق متميزة أثناء التدريب العملي. وقدّم مشروع تخرجه عبر مسرحية «عوالي» التي عُرضت لثلاثة أيام متتالية وحققت نجاحًا لافتًا.
العلاقة مع الرواد
من أبرز محطات حياته، علاقته الوثيقة بالفنان الكبير جواد سليم، حيث نشأت بينهما صداقة عائلية متينة. لم تكن هذه العلاقة مجرد معرفة عابرة، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، إذ كان جواد سليم يستعير سيارة ألبياتي بشكل منتظم للذهاب إلى الحبانية مع عائلته.
هذه العلاقة كشفت عن عمق اندماج ألبياتي في الوسط الفني العراقي، واحتكاكه المباشر برموزه، ما ساهم في صقل رؤيته الجمالية والفكرية.
 جيل التأسيس الأول
بعد تخرجه، كان من أوائل الطلبة الذين التحقوا بأكاديمية الفنون الجميلة عام 1960، بدعوة من الدكتور خالد الجادر، أول عميد للأكاديمية.
شكّل هذا الحدث نقلة نوعية، حيث أصبح البياتي جزءًا من الجيل المؤسس للمؤسسة الأكاديمية الفنية في العراق، إلى جانب أسماء مثل راسم الجميلي وعمانوئيل رسام.
هذا الانخراط المبكر في العمل الأكاديمي أسهم في تعزيز وعيه الفني، وربط تجربته العملية بالإطار النظري، ما انعكس لاحقًا على مجمل إنتاجه.
النجومية المسرحية المبكرة 
خلال دراسته، انضم إلى فرقة 14 تموز للتمثيل، التي كانت من أبرز الفرق المسرحية آنذاك.
برز فيها كأحد أشهر الممثلين، وأسندت إليه أدوار البطولة، خاصة في العروض الرمضانية اليومية التي كانت تُبث عبر الإذاعة.
هذه التجربة منحته شهرة واسعة، ورسخت حضوره كممثل قادر على الجمع بين الأداء المسرحي والإذاعي.
الإذاعة والتلفزيون
بدأ نشاطه الإعلامي من خلال برنامج إذاعي يومي بعنوان «اسمعوا يا ناس»، الذي حقق شهرة كبيرة. أما في التلفزيون، فقد شارك في أعمال تمثيلية بارزة مثل  رمضانيات ، وقدم برنامج «من حياة العظماء» إلى جانب عزيز شلال عزيز، كما شارك في 12 حلقة من تمثيلية «تحت موس الحلاق».
كما قدم برنامج «أين الحل»، الذي كان يتلقى نحو ثلاثة آلاف رسالة أسبوعيًا، وهو رقم يعكس حجم تأثيره الجماهيري.
التكريم السياسي
من أبرز محطات حياته، استدعاؤه إلى وزارة الدفاع للقاء الزعيم عبد الكريم قاسم، بعد أن شاهده في دور «خباز» ضمن عمل تمثيلي.
هذا اللقاء انتهى بتكريمه بمنحه «نوط أبو العشرة»، في دلالة على التقدير الرسمي للفن ودوره في المجتمع آنذاك.
الانفتاح العربي
امتدت علاقاته إلى العالم العربي، حيث ارتبط بصداقات مع شخصيات فنية بارزة مثل يوسف شاهين ويوسف شعبان وعزة العلايلي وليلى طاهر وصلاح أبو سيف.
كان يحضر اجتماعات الفنانين العرب في القاهرة بشكل منتظم، مدفوعًا برغبته في تمثيل العراق فنيًا وتعزيز حضوره في الساحة العربية.
ومن أبرز مواقفه، مساهمة العراق بمبلغ 70 ألف دينار لدعم فيلم «أبي فوق الشجرة» للفنان عبد الحليم حافظ، وهي خطوة وصفها بالذكية لفتح آفاق التعاون الفني العربي.
العمل السينمائي
عمل البياتي في دائرة السينما والمسرح مديرًا للسينما ثم معاونًا للمدير العام، وشارك في إنتاج وإدارة العديد من الأفلام العراقية، منها  الرأس ، «القناص ،  الظامئون ،  القادسية ،  جسر الأحرار  ، وغيرها.
كما أخرج أفلامًا وثائقية، أبرزها «جسور الأحرار»، وأسهم في تطوير البنية الإنتاجية للسينما العراقية.
الحضور الدولي
شارك كعضو لجنة تحكيم في مهرجانات دولية مهمة مثل كراكوف وموسكو وفينيسيا والقاهرة ودمشق، ما يعكس مكانته العالمية.
حصل على جوائز عديدة، منها الجائزة الذهبية لفيلم «الأسوار»، وجائزة عن فيلم «الظامئون»، إضافة إلى جائزة «أوزريت الذهبية» من مهرجان كراكوف.
الاعتراف العالمي بدوره الاستشاري
من أبرز محطات مسيرته، تلقيه دعوة للعمل مستشارًا في شركة «فوكس» في هوليوود، لمتابعة وتقييم الأفلام العربية.
هذه الدعوة تمثل اعترافًا عالميًا بخبرته، وتؤكد حضوره خارج الإطار المحلي والعربي.
التوثيق والكتابة
لم يكتفِ البياتي بالعمل الفني، بل توجه إلى التوثيق، فألف «موسوعة السينما العراقية» وكتاب «زمن السينما»، إلى جانب مقالات صحفية عديدة.هذا الجانب يجعله ليس فقط صانعًا للفن، بل مؤرخًا له، حافظًا لذاكرته من الضياع.
الاستمرارية والعطاء
حتى في سنواته المتأخرة، ظل نشطًا في الوسط الفني، يقدم الاستشارات، ويشارك في المهرجانات، ويواصل الكتابة والنشر.
هذا الاستمرار يعكس إيمانه العميق بالفن كرسالة، وليس مجرد مهنة.
الخلاصة
إن تجربة ضياء البياتي تمثل نموذجًا للفنان الشامل الذي جمع بين الموهبة والعمل المؤسسي والوعي الثقافي.
من الحلة إلى بغداد، ومن المسرح المدرسي إلى هوليوود، ومن التمثيل إلى التوثيق، رسم مسيرة حافلة تعكس تاريخ الفن العراقي بكل تحولاته.
إنه أحد أولئك الذين لم يكتفوا بالمشاركة في صناعة الفن، بل أسهموا في تأسيسه وترسيخ قواعده، ليبقى اسمه حاضرًا في ذاكرة الثقافة العراقية بوصفه رائدًا ومؤرخًا وصانعًا للجمال.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير