
الفنان الرائد المسرحي عبد الجبار عباس، ممثل من طراز خاص بصوت أبح جميل يتلاءم مع أدواره المختلفة التي تعاقبت في مسرح بغداد وغيره، وكانت علاقته عريقة بالمسرح الفني الحديث، وحينما اضطر رواد المسرح العراقي من الرجال إلى أداء أدوار المرأة لملء الفراغ التام للممثلات، حيث كان يعد هذا التصرف «حاجة ماسة» لاستمرار الحركة المسرحية، برز عبد الجبار عباس الذي اشتهر بأدائه لشخصية «أم علي» في الخمسينيات مع النخبة الرائدة من رواد التمثيل، منهم حقي الشبلي، رائد الحركة المسرحية العراقي...
فظاهرة تمثيل الرجال لأدوار النساء في المسرح العراقي هي جزء تاريخي وتقليد فني نشأ في بدايات القرن العشرين نتيجة لظروف اجتماعية وثقافية محددة، وليس لغياب الموهبة النسائية بشكل مطلق. وقد أشتهر الفنان المرحوم عبد الجبار عباس بدور المرأة ولاسيما أن الساحة الفنية، كانت آنذاك تشكو شحة كبيرة بالعنصر النسوي. وأجاد عبد الجبار في ذلك أجادة كبيرة بحيث جعل الناس يعتقدون أنه امرأة فعلاً وخصوصاً في شخصية (أم علي) في الخمسينيات التي بدأ فيها بمسرحية (يريد يعيش) ثم طورها في مسرحيات أخرى، وأيضاً جسدها في الإذاعة في برنامج كان يعده تحت عنوان (أنت تكتب ونحن نمثل) يعالج هذا البرنامج مشاكل الناس من خلال رسائلهم.
إن كبار رواد المسرح الاوائل من الرجال ، سبق أن قاموا بأداء أدوار المرأة على المسرح بدون حرج تحت وطأة الحاجة الماسة لملء الفراغ التام في المسرح من المرأة ، بدءا من حقي الشبلي مرورا بأسعد عبدالرزاق وبدري حسون فريد واخرين وصولا الى عبد الجبار عباس ، وسمير القاضي حتى وقت متأخر من اعوام الستينيات .
كما ان السياق التاريخي والأسباب: القيود الاجتماعية: في بدايات المسرح العراقي (الأربعينيات والخمسينيات وما قبلها)، كان من الصعب جداً على النساء الصعود على خشبة المسرح بسبب التقاليد العشائرية والاجتماعية المحافظة التي كانت تمنع ظهور المرأة في المجال العام.فضلا عن سد الفراغ الفني: أسعد عبد الرزاق وبدري حسون فريد: شاركوا في أداء أدوار نسائية في فترات مختلفة. سمير القاضي: استمر في هذا النهج حتى الستينيات.. والتطور والتحول: مع مرور الوقت، ومع بداية ظهور رائدات مثل مديحة سعيد، ليلى العبيدي، وسلمى عبد الأحد في الأربعينيات، بدأ العنصر النسائي بالدخول تدريجياً. رغم ذلك، استمر هذا النوع من التمثيل في بعض المسرحيات الكوميدية أو التراثية أحياناً كنوع من الكوميديا (البارودي).
ولد عبد الجبار عباس 1933 في قضاء علي الغربي في محافظة ميسان، حيث ارتبط اسمه ببدايات تأسيس تلفزيون جمهورية العراق في مايس من عام 1956، وقبلها بدأ في المسرح مع الفنان الرائد المرحوم (جعفر السعدي) في المدرسة الجعفرية حيث مثل معه في المتنبي ومعتصماه وكان يمثل الأدوار الرجالية والنسائية معاً.
ويذكر الباحث والممثل المسرحي كافي لازم، الذي رافق وعمل معه سنوات بفرقة المسرح الحديث : كان يظن كثيرون أن الفنان عبد الجبار عباس ولد في بغداد، ولكن بعد التحري تبين أنه ولد في قضاء علي الغربي بمحافظة ميسان عام 1933 ولم يكمل التسعة أشهر في بطن أمه وقد جاء إلى هذه الدنيا ضعيفا منهكا متعبا أي كان (أسبيعي) كما يقولون وهو الوحيد لأهله يين 8 بنات.
تكاثرت العائلة وضاقت بهم سبل العيش مما اضطر والد عبد الجبار الرحيل إلى العاصمة بغداد في ثلاثينيات القرن الماضي وقد سكنوا منطقة تسمى (الصنم) وهي بالأساس مقبرة العوائل المسيحية بين منطقة الباب الشرقي وباب الشيخ.
تطوع والده بسلك الشرطة براتب ضئيل لا يكفي لسد رمق العائلة المؤلفة من 8 نفرات مما أضطر الوالد أن يعمل في الحمامات ولإخلاصه بالعمل جعله صاحب الحمام مسؤولا عن الأمانات وهذا المكان مجزً من حيث الاكراميات الكثيرة من الزبائن.
كان والد عبد الجبار عباس يعاني من مرض مزمن وهو (الصرع الشديد) وفي أحد الأيام بينما هو يعمل في انارة الفانوس وكان وحده في المكان انتابته موجة الصرع مما أدى إلى انكفاء الفانوس وانتشار النفط واحترق المكان بأكمله واحترق والد عبد الجبار عباس مما أدى إلى وفاته بقصة حزينة.
وهنا تعقدت الحالة الاقتصادية للعائلة حيث ذهب المعيل الوحيد. غير أن زوجته (أم عبد الجبار) اضطرت ان تعمل في البيت لتطبخ الشوربة والخبز ويقوم عبد الجبار عباس في بيعها في السوق حينها أصبح يافعا واندمج أكثر وأكثر بالحياة المدنية حيث كانت المدينة تعج بالحركة إلى ساعات متأخرة في الليل وكثرة وسائل الترفيه (الملاهي والسينمات) مما اضطر عبد الجبار عباس أن يعمل عملا اخر في محل (فيتر) لكي يوفر ثمن بطاقة السينما وقد تأثر كثيرا بالفنان يوسف وهبي وكان دائما يجيد تقليده بالأداء.
وعند دخوله بالمدرسة الجعفرية وبوجود الرائد جعفر السعدي بهذه المدرسة الذي عرف بحبه للمسرح استعان بعبد الجبار في مسرحياته وقد مثل في تلك الفترة دور (أم علي) نتيجة لعدم توفر العنصر النسائي في ذلك الوقت (والغريب ان بعد هذه السنين الطويلة أدى كذلك دور امرأة في ثمانينيات القرن الماضي في مسلسل ابو البلاوي). في ذلك الوقت من عام 1956 انتمى إلى فرقة المسرح الشعبي وعمل في مسرحية (يريد يعيش) ثم انتمى لفرقة المسرح الحديث عام 1957 والفن الحديث عام 1965 بعد تجديد اجازتها ضمن قانون الفرق الاهلية عام 1964.
عمل في السينما ممثلا وملاحظا ومساعد المخرج في أفلام سعيد أفندي (ابو هيله، عروس الفرات وفتنه وحسن). بالإضافة لوظيفته كمخرج اذاعي في البرامج الريفية. أهم ادواره (مرهون ابو قنبوره) في النخلة والجيران، وقد اشتركت ابنته معه في هذه المسرحية وهي صغيرة العمر. كذلك دوره في مسرحية الشريعة (عمر حساني) وفي الخان دوره (محي الباصوان)، كذلك في بغداد الأزل وهاملت عربيا، فضلا عن اشتراكه في دبلجة الكثير من مسلسلات الأطفال الكارتونية.
الملاحظ من هذا الفنان المتفرد أن معظم الشخصيات التي قدمها قريبة له وتاريخ معاناته من قسوة العيش والقهر والظلم السائد في فترات حياته منذ أن كان طفلا، انتمى إلى الطبقة الفقيرة بامتياز فلا بريق أمل للخلاص او النهوض لحالة أفضل مما أدى به إلى الاحساس بأن هذا الوضع البائس ما هو إلا لحالة الوضع السياسي السائد بعهد الملكية والاقطاع مما حدا به للانضمام إلى الحركة اليسارية التي كانت نشطة جدا تلك الفترة وأدرك بشبابه أن النضال الحقيقي يبدأ من هنا وبالتالي الخلاص من هذه الطغمة الفاسدة.
وفي خضم نضاله وفي اثناء عمله دق لافتة مضمونها ضد السلطة، وإذا أحد افراد من القوة المناوئة لفكره ضربة على رأسه بواسطة (بوري حديد) مما جعل دمه ينزف كنافورة ماء وهو كما نعلم ضعيف البنية متهالك نتيجة الجوع الحاصل تلك الفترة، حينها نقل إلى مستشفى الطوارئ وكان المسؤول عن علاجه الدكتور المشهور(ادور عيسى) مدير المستشفى الذي أقر أن جبار عباس أما أن يموت او يصيبه مس من الجنون. وأخيرا نجا بأعجوبة من تلك الضربة وبعدها لم يترك عمله السياسي واستمر بالحركة السياسية متزامنا مع عمله الفني في السينما والمسرح. وعند انقلاب 8 شباط اخذ نصيبه من الفصل السياسي والملاحقات وقضى في سجن (خلف السدة) عدة شهور وبقيت عائلته بلا معين ثم صدر قرار العفو وشمله وخرج من السجن، ولكنه مفصول من وظيفته، واستمر نشاطه الفني.
بعد انقلاب 17 تموز عام 1968 صدر قرار بإحالة المفصولين السياسيين لوظائفهم وعاد عبد الجبار عباس لوظيفته كمخرج اذاعي، وقدم كثيرا من التمثيليات الاذاعية اخراجا وتمثيلا كذلك في التلفزيون، وقد اشترك في المسلسل الاشهر (تحت موس الحلاق) وعمل في المسرح وبالأخص فرقته الاثيرة إلى نفسه فرقة المسرح الفني الحديث.
يتميز جبار عباس بحبه والتزامه المبدئي بفرقته العريقة فرقة المسرح الحديث وهو دائم التواجد اليومي في الفرقة بغض النظر انه مشترك او غير مشترك بعمل مسرحي معين ودوامه ثابت ومنتظم. وعندما يسند له دور ما في أي مسرحية فهو من القراءة الاولى للنص يمسك الشخصية بشكل مباشر ويؤدي منذ الجملة الاولى، أما في القراءة الثانية فيكون قد لبس قطعا من الاكسسوار ليقترب من الشخصية أكثر.
ومما يذكر ان الفنان القدير الراحل عبد الجبار عباس انتمى في عام 1956 الى فرقة المسرح الشعبي وقدم معها مسرحية (يريد يعيش)، وفي السنة نفسها أسست فرقة (شباب الطليعة) للفنان (بدري حسون فريد) فانتمى إليها وقدم معها عدة أعمال مثل (اللص والشرطي)، ثم ارتبط بفرقة مسرح الفن الحديث بعد تأسيسها من قبل الفنان يوسف العاني، وفي عام 1958 تم تعيينه عضوا في قسم التمثيليات بالبرامج الخاصة لإذاعة جمهورية العراق، ومنها بدأ مسيرته الفنية في العديد من البرامج التي كان يأنس لها الجمهور لموضوعية طرحها ومعالجتها الجريئة.
في حين تربو أعماله في المسرح على المئات من المسرحيات، منها البستوكة، والنخلة والجيران، ويريد يعيش، والخرابة، والقربان، وهاملت عربياً، ورسالة مفقودة، وأنا أمك يا شاكر، والحلم، والخان، ويريد يعيش، والخرابة، والقربان، وهاملت عربياً، ورسالة مفقودة، وغيرها. اما أبرز إسهاماته في السينما العراقية فأفلام (فتنة وحسن) و(أرحموني) و(عروس الفرات) و(سعيد أفندي) و(أبو هيلة) و(شايف خير) و(الحارس) و(المنعطف) وغيرها.
في حين أبدع في التلفزيون منذ بداياته الأولى من خلال العديد من الأعمال الفنية أبرزها ثلاثية حضرة صاحب السعادة، ولن ينتكس الوليد، وأبو البلاوي، وحامض حلو، والوجه الآخر، ورباعية عبوسي يعود، وتحت موسى الحلاق وغيرها
تم تكريمه عام 1993 كرائد مسرحي في يوم المسرح العالمي، وكان الفنان المرحوم عبد الجبار عباس من الفنانين الذين حافظوا على التزامهم الفني ولم ينحدر في متاهات الفن الرخيص، ولا سيما المسرح التجاري برغم العوز المادي الشديد في سنواته الأخيرة، مما اضطره الحال الى العمل كحارس ليلي في مدرسة بمنطقة الإعلام حيث يسكن، كذلك تعرض لحادث دهس سيارة ترك أثراً سيئاً عليه بحيث جعله لا يتذكر الأحداث التي مر بها سابقاً.
كتب عنه في حينها الفنان الكبير يوسف العاني (فمنذ ان وعى ومارس درب الفن الحقيقي النظيف.. تعالى مع نفسه فصار مطلوبا ومرغوبا في أكثر من مكان وحالة.. المسرح، السينما، الإذاعة، التلفزيون.. فبعد أن بدأ بدور (ام علي) حين عزت الأدوار النسائية صار مخرجا إذاعيا تشفع له كفاءته وتجربته..
وممثلا يسأل عنه الناس ان غاب عنهم وسار الزمن بتناقضاته.. والإنسان ابن زمنه.. فأقعده المرض.. مرض جاءه على عجل حين رافق أصدقاء السوء.. ولم يحفظوا له حرمة، بل استغلوا طيبته ووفاءه. ولم يكن يدري ان الدنيا –أحيانا– غادرة أن لم تنتبه لمن ولما يحيطنا منها.
وكاد أن يفقد الحياة أكثر من مرة لكن عائلته الكريمة الطيبة أحاطته، وراحت تكدح كما كدح وتبذل الجهد كي تحافظ عليه فأكسبته سنوات عمر جديدة، ولكن لن يطول العمر وقسوة الحياة أعتى من أن تتكسر فتوقف القلب الطيب ليغادرنا بهدوء كأنه الصمت مثلما جاءنا ذات يوم صامتا ليقول: (أريد أن اعمل معكم.. لأتعلم). فتعلم وعلم ثم عاد ليصمت الى الأبد.
من تلك الصور التي تشكل تاريخا للمسرح العراقي وخاصة تمثيل الأدوار النسائية ، نستطيع هنا ان نقسم فترة علاقة المرأة بالمسرح في العراق الى فترتين ، هي كل تاريخ قدوم وتجذر وانتشار المسرح ، الفترة الاولى تمتد منذ ان عرفنا المسرح في نهايات القرن التاسع عشر حتى منتصف الخمسينيات، والذي يمكن لنا ان نسميه بالمسرح الرجالي، لتفرد الرجال وحدهم بالعمل فيه تقريبا .
والفترة الثانية منذ منتصف الخمسينيات وحتى وقتنا الحاضر الذي شهد صعود الرعيل الاول من النساء من البيوت والعوائل لخشبة المسرح ، وكسرهن بجرأة الحواجز والموانع الاجتماعية التي كانت قائمة وراسخة، مضحيات بوضعهن الاجتماعي ، وهذا بحد ذاته كان كبيرا وخطيرا في ذلك الوقت وهن يخرقن التقاليد البالية في هذا المجال بالذات، وتحملن تبعات ذلك بإصرار وصبر ، وتركن الباب من بعدهن مشرعا لتدفق النساء على صعود المسرح .
في الفترة الاولى ، عند نهاية العشرينيات وما بعد الثلاثينيات، احتدم الصراع بين المتنورين من المثقفين المناصرين لسفور النساء على رأسهم الزهاوي من جهة ، وبين المتزمتين المدافعين عن الحجاب وهم كثر من جهة اخرى .
حدث حراك في المجتمع العراقي آنذاك، وظهرت نزعة نحو التحديث الجريء في العلاقات الاجتماعية، والانطلاق لمسايرة ركب الدول المجاورة التي سارت بعنف في درب التطور الاجتماعي، فإلى جانب الرجل الذي واصل انتحال دور المرأة على المسرح الى اواخر الخمسينيات، كان مسرح جعفر لقلق زاده يقدم ليليا نمره المسرحية بمعية ( الممثلات الارتيست) ، وهي تسمية لفنانات الملاهي (اكثريتهن راقصات ومغنيات) من العراق او بلدان عربية مختلفة لبنان والشام بشكل خاص، جلبن للعمل في الملاهي وفق شروط مشددة.
يقول عن ذلك الفنان الراحل ياس علي الناصر في مذكراته فيقول ((...جرت العادة في ملاهي ايام زمان عند تقديم برنامج الملهى ان تجلس جميع الفنانات صفا واحدا على المسرح ومن خلفهم الموسيقيون الذين يبدأون بقطعة موسيقية كمقدمة اولا ، ثم تليها بأداء التواشيح ، وكان توشيح (يا نحيل القوام) هو التوشيح الافتتاحي الذي يردد في كل ملاهي بغداد .
وعندما تشكلت الفرق المسرحية الشهيرة في العشرينيات، جرت الاستعانة بالمطربات الشهيرات لأداء الادوار النسائية ، وهذا كان الحال حتى في بدايات السينما العراقية ( عليا وعصام )، إذ استعين بالفنانة المطربة عزيمه توفيق وسليمه مراد ببطولة الادوار النسائية، وهذا لم يكن مختلفا عما كان عليه المسرح عموما في المنطقة العربية التي كانت تمر وتعيش نفس المرحلة الاجتماعية ..
من الرائدات في المسرح العراقي الاوائل في الاربعينيات حتى الخمسينيات: مديحه سعيد ، وليلى العبيدي وسلمى عبدالحميد ، والمحامية نظيمه وهبي، والطبيبة فوزيه القطان الى جانب زوجة يحيى فائق ( في الفرقة العربية للتمثيل )، وسلمى عبد الاحد أخت عازف الطبلة الشهير سامي عبدالاحد، صعدت ايضا ( في الفرقة الشعبية للتمثيل ) ماجدة عبد القادر زوجة جعفر السعدي على المسرح بدفع وتشجيع من ازواجهن .
يتذكر الفنان الكبير الراحل ومعلم الأجيال جعفر السعدي ممثله في( فرقة جمعية بيوت الامه) في نهاية الاربعينيات، اسمها (سلسبيل) شاركت في عدد من مسرحيات الفرقة ، لكنها لم تواصل بسبب ضغوط عائليه، واسماء اخرى عملت في الفرق المسرحية في الخمسينيات ثم انشغلن عن المسرح بأمور اخرى لا علاقة لها بالضغوط الاجتماعية التي ذكرت ، وانقطعن دون اكراه وانشغلن عنه بأمور اخرى، كرينيه يعقوب ، ولميس عبدالرزاق.
كل هذه النجاحات المستمرة لم يتمكن عبد الجبار عباس ماديا لمساعدة عائلته الفقيرة فبقى يسكن في الإيجار ولم يمتلك بيتا طوال عمره مع ان القدر دائما يتربص لهذا الفنان فأثناء سيره في احد الليالي في شوارع بغداد صدمته سيارة مسرعة وقذفته أمتارا ولم يصحُ إلا وهو في المستشفى وقد انكسرت اضلعه ورجلاه حدث هذا عام 1980، ولم تنجح كل المحاولات لإرجاعه كما كان لحالته الطبيعية، وبقي شهورا طويلة وهو مقعد وجسمه مشدود في (البلاتين). بالتالي حدثت المصيبة الكبرى، اذ أصبح عاطلا عن كل شيء واصبحت الضغوط المعيشية لعائلته لا تطاق وهنا شمرت زوجته الراحلة (ام صادق) عن ساعديها ولم تستكين لهذا الوضع البائس فقد عملت من الصباح إلى المساء لكي تحافظ على الحد الأدنى من المعيشة وقد حرصت على إكمال أولادها للدراسة على أكمل وجهه.
وبعد مناشدات كثيرة استجابت الحكومة وارسلته للاستطباب في لندن، إذ نجح الأطباء هناك لإرجاعه لحالته الطبيعية رغم الوهن العام في جسمه واستمر في عمله الفني لفترة محدودة.
وكما قلنا سابقا ان القدر يتربص لهذا الانسان والفنان حيث جاءت سيارة مسرعة مرة ثانية يقودها سائق متهور وضربته في مقتل هذه المرة، وكانت الضربة في مكان حساس في رأسه افقدته السيطرة على حواسه، وأصبح فاقدا للوعي لفترة طويل وأصيب بتلف الدماغ وفقدان الذاكرة ولم يتعرف على أصدقائه وأفراد اسرته حدث هذا 1986 إلى أن توفي هذا الفنان الكبير في مستشفى الكرامة ببغداد عام 1996. وترك حزنا وأسى في المسرح وقلوب محبيه.
وفي الختام لابد أن نشير الى ان عائلته تعلمت الدرس واتقنته ونجحت في اجتياز الكثير من المصاعب لاسيما السيدة والدتهم التي ناضلت وعملت بجد منقطع النظير، فهي موظفة خدمة في المدرسة نهارا، وتعمل في مركز صحي مساءً، واستطاعت ان تحمي عائلتها وحرصت على تعليمهم.، فأغلب بناتها يعملن اليوم في التعليم ووظائف أخرى. أما ابنه الوحيد صادق فقد حصل على شهادة الدكتوراه، ويعمل في وزارة الزراعة.