
لم تعد حالة اللايقين التي تسود العالم شعورا عاطفيا فرديا أو جماعيا ناتجا عن ارتسامات أو انطباعات شخصية، بل قادتها التطورات المتسارعة التي تتجاذب الأوضاع العالمية السائدة في مختلف أرجاء المعمور إلى أن تصبح حقيقية ثابتة لا يمكن إنكارها.
حالة اللايقين السائدة بسبب تصادم المصالح الاقتصادية والسياسية والجيواستراتيجية نقلت العالم إلى مرحلة أخرى أكثر تقدما وخطورة تتمثل أساسا في انعدام إمكانية العودة إلى ما قبل مرحلة اللايقين، بل الأكثر من ذلك استحالة العودة إلى كل فترة تمضي.
في تقرير حديث صادر عن مركز دراسات الأخطار العالمية (GLOBAL RISK ANALYSIS _ GRAC ) حذرت هذه الجهة المتخصصة في تحليل الأخطار الجيوسياسية من أن العالم دخل رسميا مرحلة اللاعودة. وهي المرحلة التي تنقل فيها الأزمات من فترات متقطعة إلى أزمات مترابطة ودائمة، وتفضي إلى تراكم الأزمات الكثيرة، وكل أزمة مستجدة تفقد سابقتها راهنيتها وتطرح تحديات جديدة تضاف إلى ما أفرزته سابقاتها، وهذا كله يجعل السيطرة على الأزمات المتواصلة وتوفير الحلول المناسبة لها مهمة شبه مستحيلة إذا لم تكن مستحيلة فعلا. وبسبب ذلك يرى معدو التقرير أن مؤشرات الاستقرار العالمي تراجعت بنسبة 37 بالمائة خلال العقد الأخير، بينما ارتفعت مقابل ذلك الأخطار المترتبة والتي أصبحت تهدد مصائر الدول الهشة إلى أعلى مستوى منذ نهاية الحرب الباردة.
وحذر التقرير من أن أخطر ما تطرحه المرحلة الحالية يتمثل في أن العالم يقترب من وضع لا يمكن الرجوع عنه، إذ أن أي أزمة كبرى جديدة سواء كانت اقتصادية أو عسكرية أو بيئية قد تهدد مستقبل دول كاملة، وهو الأمر الذي وصفه التقرير بأنه أخطر سيناريو دولي.
ما يعيشه العالم المعاصر يعد مرآة عاكسة لهذه القراءة العميقة، حيث تتوالى الأزمات في مختلف أرجاء العالم، في مواجهات عسكرية واقتصادية وبيئية وحتى اجتماعية، بين قوى عالمية تتضارب مصالحها وتصطدم تقديراتها في التعاطي مع الأوضاع العالمية، ودوماً تفضي هذه الأزمات المتقطعة من حيث الشكل لكنها متواصلة من حيث الجوهر إلى مراكمة المكاسب الاقتصادية بالأساس لفائدة الاقتصاديات الكبرى.
حتى إذا فرضت التطورات المتسارعة انحصارا للمواجهات المباشرة، أو تسليما بها كما هي قائمة في إطار المراهنة على عامل الوقت، فإن أزمات صحية طارئة تبرز إلى الوجود بدعوى ظهور فيروسات جديدة تهدد البشرية، كما حدث في أزمة كوفيد، أو حتى بإعادة الحياة إلى فيروسات قديمة ظهرت منذ عقود خلت، كما يحدث حاليًا، مما يعطي شرعية كبيرة جدا لشكوك كثيرة تحوم حول ما جرى ويجري، ويعزز الاعتقاد بأن العالم انتقل فعلاً من حالة اللايقين ودخل مرحلة اللاعودة في سلسلة أزمات متناسقة ومترابطة ودائمة.