رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
المخرج خليل إبراهيم بين ذاكرة السينما ووجع الحاضر الفني


المشاهدات 1115
تاريخ الإضافة 2026/05/13 - 9:37 PM
آخر تحديث 2026/05/14 - 10:53 AM

في هذا الحوار المطوّل، نستعيد مع المخرج ومدير الإنتاج العراقي خليل إبراهيم ملامح زمنٍ ذهبيّ عاشته الدراما والسينما العراقية، زمنٌ كان فيه الفن رسالةً والتخصص قيمةً عليا، قبل أن تتبدل المعايير وتختلط الأوراق. من أزقة شارع الرشيد وذكريات الطفولة البسيطة، إلى أروقة معهد الفنون الجميلة، ثم إلى مواقع الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، يروي لنا ضيفنا مسيرته بتفاصيلها الدقيقة، كاشفًا عن محطات مهمة صنعت تجربته، وأسماء كبيرة أثرت فيه، ورؤية نقدية صريحة لواقع الفن اليوم. هذا الحوار لا يقدّم سيرة شخصية فحسب، بل شهادة حيّة على تحولات المشهد الثقافي والفني في العراق.
* مرحبا بك اخ خليل وانت اليوم ضيف الزوراء .
ـ  اهلا بك استاذ جمال وانت الاخ والصديق الذي عشنا معا زمنا طويلا كموظفين في دائرة الاذاعة والتلفزيون .
* كيف تستعيد ذكريات الطفولة والبدايات الأولى؟
ـ  إعادتي إلى أكثر من ستين سنة إلى الوراء أمر مفرح جدًا، رغم أن الذاكرة قد تخونني في بعض التفاصيل. كنت مدلل الأبوين رحمهما الله، وكان جدي شديد التعلق بي لأننا كنا نعيش في بيت واحد كبير بطراز شرقي، متعدد الغرف وله باحة واسعة في وسطه. أذكر في عمر خمس أو ست سنوات كنت مولعًا بأفلام الأكشن والكابوي، لأننا كنا نسكن في شارع الرشيد بمنطقة العاقولية قرب دور السينما. كنت أتابع الدعاية السينمائية التي تُعرض عبر عربة تجرها الخيول، تحمل صور الأفلام مع صوت الجرس، وكنا نجري خلفها لمعرفة اسم الفيلم وبطله. كنت أتحايل على خالي لنذهب معًا إلى السينما. تلك اللحظات زرعت في داخلي حب الفن مبكرًا.
*  متى بدأت ملامح الشغف الفني تتشكل لديك؟
ـ  منذ صغري كنت شغوفًا بالسينما والتلفزيون، وكنت أمثل مشاهد من الأفلام التي أشاهدها. لكني لم أكن أعرف كيف تُصنع هذه المشاهد أو كيف تُخرج. عندما وصلت إلى المرحلة المتوسطة، أصبح حلمي الدخول إلى معهد الفنون الجميلة. والدي كان معارضًا بشدة، لأنه كان دبلوماسيًا ولا يقبل بهذا التوجه. لكن في إحدى المناسبات، التقى بأستاذي الكبير كامل العزاوي، الذي أقنعه بعد نقاش طويل بالسماح لي بالتقديم، رغم أني كنت متأخرًا سنة عن أقراني.
* كيف تصف تجربتك في المعهد والأكاديمية؟
ـ  كانت من أجمل مراحل حياتي. شعرت حينها أنني من أعظم الفنانين الموهوبين، لأننا كنا نتعلم على يد عمالقة مثل كامل العزاوي وعبد الله جواد. كانوا أساتذة حقيقيين يجمعون بين العلم والتطبيق. كنا نأمل أن تستمر هذه المسيرة وأن تحظى برعاية حقيقية، لكن للأسف لم يحصل ذلك. كان الفن رسالة تهذيب وثقافة، وليس مجرد تجارة كما هو اليوم.
*  ماذا كان طموحك في تلك المرحلة؟
ـ كنت أحلم بأن أكون من كبار المخرجين، وكنت أفكر بالهجرة لصناعة مجد أرفع به اسم العراق، لأنني بدأت ألاحظ دخول أشخاص غير متخصصين إلى المجال، مما أثر سلبًا على جودة العمل الفني.
*  حدثنا عن علاقتك بأساتذتك؟
ـ  كنت قريبًا جدًا من أستاذي كامل العزاوي، وكان يدعو الطلبة المجتهدين إلى بيته، يقدم لنا الطعام ويعرض أفلامًا نادرة باستخدام جهاز الفيديو. كان يهتم بنا إنسانيًا وتعليميًا، ويحثنا على الاجتهاد.
*  كيف ترى التعليم الفني اليوم مقارنة بالماضي؟
ـ  بصراحة، لم أتابع الوضع منذ أكثر من عشر سنوات، لكن أؤكد أن التعليم في زماننا كان أقوى بكثير، بسبب رصانة الأساتذة وحبهم للمهنة. اليوم الاجتهاد يعتمد على الطالب نفسه.
*  كيف تعلمت إدارة الإنتاج؟
ـ  كنت أتعلم بالممارسة والسؤال المستمر. اقتربت من المختصين وتعلمت منهم عمليًا. من أبرزهم مهدي الصفار الذي أرشدني إلى مجال الإنتاج التلفزيوني، وكذلك ضياء البياتي ورمضان كاطع في الإنتاج السينمائي.
*  كيف كانت نظرتك للإنتاج العراقي؟
ـ  كان قويًا جدًا، وربما لا يضاهي الأجنبي، لكنه ينافس العربي بقوة. كان لدينا كوادر متميزة وخبرات كبيرة، لكن التآمر على هذا القطاع أضعفه.
* كيف بدأت عملك في الإذاعة والتلفزيون؟
ـ  بدأت كأجير أثناء دراستي عام 1973، وكنت مبهورًا برؤية كبار الفنانين. تعلمت الكثير من الفنيين مثل عبد الرزاق الواسطي وهادي بدع وغيرهم.
* كيف كانت إدارة الإنتاج سابقًا؟
ـ  كانت دقيقة ومنظمة جدًا، من حساب الميزانيات إلى توزيع المهام. اليوم للأسف أصبح الأمر فوضويًا، ودخل غير المختصين إلى المجال.
*  ما فلسفتك في النجاح؟
ـ  الإنسان يجب أن يتعلم دائمًا. السلاح الحقيقي هو الثقافة والخبرة والتواضع أمام من سبقوك.
*  كيف تم تطوير دراسة الإنتاج؟
ـ تم ذلك بعد الحاجة إلى تنظيم العمل، حيث تمت الاستعانة بخبرات عربية وأجنبية لإنشاء برامج تعليمية متخصصة.
*  هل كنت تخاف من إدارة الأعمال؟
ـ  أبدًا، كنت واثقًا من نفسي بسبب الخبرة والتجربة. وأؤكد أن النجاح في الإنتاج يعتمد على الاختصاص وليس الأسماء.
* مع مَن عملت من المخرجين ؟
ـ   عملت مع كبار المخرجين العراقيين والعرب والأجانب، مثل مهدي الصفار، عمانوئيل رسام، إبراهيم عبد الجليل، صلاح كرم وغيرهم.
* ما أبرز الأعمال التي تعتز بها؟
ـ   مسلسل  فتاة في العشرين ، وأبو الطيب المتنبي، ورجال الظل، وغيرها من الأعمال التي أعتز بها.
*  هل الإنتاج الفني مهنة ناجحة؟
ـ  نعم، إذا توفرت بيئة إنتاجية حقيقية. كنا نتفوق حتى على دول مثل مصر في بعض المراحل.
*  ماذا عن مرحلة الحصار؟ 
ـ   كانت مرحلة صعبة جدًا، وتم إنتاج أعمال لا تعبر عن الواقع العراقي، واستُغلت الظروف بشكل سلبي.
* كيف ترى مستقبل الدراما العراقية؟ 
ـ  لا أرى مستقبلًا مشرقًا إذا استمر الوضع الحالي. يجب أن يكون هناك تدخل حقيقي لإصلاح القطاع ومحاسبة الفاسدين.
* ما رسالتك للجهات المعنية؟
ـ  يجب حماية الفن من الدخلاء، ودعم الكفاءات العراقية، ووضع ضوابط صارمة للعمل الفني.
* كيف تقيّم تجربتك الشخصية؟ 
ـ  كانت تجربة رائعة بكل ما فيها. أنصح الجيل الجديد بالاجتهاد والابتعاد عن السطحية، والعمل على تقديم فن هادف يخدم المجتمع.
*  تحدثت عن هيبة الأساتذة الكبار، كيف كانت طبيعة العلاقة داخل مواقع العمل؟
ـ كانت العلاقة قائمة على الاحترام والانضباط العالي، وهذا الشيء اليوم نفتقده بشكل واضح. كنا نهاب الدخول إلى غرفة الأستاذ ضياء البياتي أثناء العمل، ليس خوفًا بل تقديرًا لمكانته وخبرته. لم يكن مسموحًا طرح أي سؤال خارج سياق العمل، لأن الوقت كان مقدسًا، وكل دقيقة محسوبة ضمن خطة الإنتاج. هذه البيئة خلقت جيلًا منضبطًا يعرف قيمة المسؤولية. أما اليوم، فهناك تساهل كبير، وأحيانًا فوضى تجعل العمل يفقد هيبته وتنظيمه.
*  كيف أثرت الخبرة الميدانية في تكوينك المهني؟
ـ الخبرة الميدانية كانت الأساس الحقيقي في تكويني. الدراسة مهمة، لكنها لا تكفي بدون ممارسة. أنا تعلمت من الاحتكاك المباشر مع الكوادر، من الفنيين قبل المخرجين. كنت أراقب كل تفصيل، من الإضاءة إلى حركة الكاميرا إلى إدارة الوقت. هذا التراكم هو الذي صنع شخصيتي كمدير إنتاج. لذلك دائمًا أقول: من لا ينزل إلى الميدان لن يتقن هذه المهنة.
* ذكرت أن بعض الإنتاجات الحالية تفتقر للمضمون، ما السبب برأيك؟
ـ  السبب واضح، وهو غياب الهدف الثقافي. سابقًا، كان العمل الفني يحمل رسالة اجتماعية أو فكرية أو تربوية. اليوم، كثير من الأعمال تُنتج فقط للربح أو الظهور الإعلامي. هذا التحول جعل النصوص ضعيفة، والتنفيذ سطحي، والنتيجة أعمال لا تعيش طويلًا في ذاكرة الناس. الفن الحقيقي يجب أن يخاطب عقل الإنسان وليس فقط عينه.
* كيف تصف الفرق بين جيلكم والجيل الحالي من العاملين في المجال؟
ـ  لا أعمم، لكن هناك فرقا واضحا. جيلنا كان يبحث عن المعرفة ويتعب من أجلها، أما اليوم فالبعض يريد الوصول السريع بدون جهد. نحن كنا نقف ساعات طويلة في مواقع التصوير، نراقب ونتعلم، ونقبل النقد. اليوم بعض الشباب لا يتحمل التوجيه، ويريد أن يكون جاهزًا بسرعة. النجاح لا يأتي بهذه الطريقة.
*  ما أهمية الالتزام الأخلاقي في العمل الفني؟
ـ الالتزام الأخلاقي هو أساس العمل الفني الحقيقي. الفن ليس مجرد مهنة، بل رسالة. عندما يغيب الضمير المهني، تتحول الأعمال إلى وسيلة للابتذال أو الكسب السريع. نحن تربينا على احترام المهنة، واحترام الجمهور، واحترام أنفسنا قبل كل شيء. لذلك كانت أعمالنا تبقى، لأن فيها صدق.
*  هل تعتقد أن البيئة الإنتاجية الحالية يمكن إصلاحها؟
ـ  نعم يمكن، لكن بشرط وجود إرادة حقيقية. الإصلاح يحتاج إلى قرارات حازمة، تبدأ من دعم الكفاءات الحقيقية، ومحاسبة المتطفلين، ووضع ضوابط واضحة للعمل. إذا بقي الوضع كما هو، لن يتغير شيء. لكن إذا تم الاعتماد على المختصين، يمكن أن يعود الإنتاج العراقي بقوة.
* ما النصيحة التي تقدمها للشباب الراغبين بدخول المجال؟
ـ  أنصحهم أولًا بالدراسة الجادة، ثم بالصبر. لا يتعجلون النجاح، لأن هذا المجال يحتاج وقتًا وخبرة. عليهم أن يتعلموا من الكبار، ويحترموا المهنة، ويبتعدوا عن التقليد الأعمى. والأهم أن يكون لديهم هدف حقيقي، لأن الفن بدون هدف لا قيمة له.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير