
صباحاً، وعلى مقربة مني، كانت مجموعة من الكتب أُقلب صفحاتها، فتوقفت أناملي عند كتاب أستاذنا الفيلسوف طه جزاع « زخيخة.. الخيال وذاكرة المكان» . وما إن فتحته حتى اندفعتُ أقرأ فيه لأرى كيف تجلى خيال وذاكرة جزاع في مهد صباه، تلك القرية الغافية على ضفاف الفرات، التي احتضنته يوماً، فغادرها جسداً، لكنها لم تغادره روحاً ووجداناً .
في البداية، ينوّه الكاتب إلى أن «زخيخة» ليست مجرد قرية من قرى أعالي الفرات في قضاء هيت، بل هي صورة المكان الأول الذي يسكن ذاكرة الإنسان. وهنا أحسب أنه انطلق في كتابه هذا من البيت الشعري الشهير لأبي تمام: كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدًا لأول منزلِ. فنجد الكاتب يبوح بحنينه الجارف إلى المنزل الأول، وإلى خطواته الأولى التي ابتدأت من هناك. وقد انطلق في كتابه متكئًا على أشهر كتب غاستون باشلار، « جماليات المكان»، الذي تناول فيه فلسفة المكان والبيت وتفاصيلهما النفسية والوجودية.
يقول الكاتب إن « زخيخة» لم تكن محطة جغرافية أقام فيها عاماً دراسياً ثم غادرها كما تُغادر الأمكنة بلا التفات، بل ظل يلتفت إليها أكثر من ستين عاماً، وعاد إليها معتذراً ليسكنها روحاً عبر هذا الكتاب. وما أجمل العودة إلى المكان الأول حين تصبح الذكرى أكثر دفئاً من الواقع نفسه. هو لم يرَ «زخيخة «بالأميال والمسافات، بل رآها بما زرعته في داخله من أثر وهو صبي. لذلك عاد إليها محمّلاً بخبرة الحياة، وعارفاً بمسالكها وخيباتها وجمالها . وربما كانت تلك القرية الصغيرة، التي فتحت في روحه باب الجمال والإحساس الأول به، هي ما جعله في شبابه يحنو إلى الجمال حتى غدا أستاذاً يدرّس طلبته في الجامعة مادة « علم الجمال». وأحسب أن استذكاره للقرية، ببساتينها المليئة بأشجار البرتقال والليمون والتفاح، وتأمله أسراب الطيور وهي تجوب سماءها، كل تلك التفاصيل الصغيرة شبّت معه، فصار محباً للطبيعة وسحرها، وانعكس ذلك على شخصيته الإنسانية، فأضحى محباً للخير وللآخرين.« زخيخة « بالنسبة إليه ليست مكاناً معمارياً تغيّر بفعل الزمن، إذ تهدمت الأبنية وتجدد بناؤها، وفي مقدمتها المدرسة النظامية التي تعلم فيها أبجديته الأولى، كما أكل الدهر كثيراً من قصر جدّه مزبان الشوكة. بل إن « زخيخة « روحٌ سكنت بين أضلاعه، فأصبحت تنتقل معه أينما رحل . لقد تقدّمت على كثير من أحداث حياته اللاحقة، لأنه رآها تجربة حسية كاملة تركت أثراً باقياً، فيما لم يبقَ المكان نفسه. في « زخيخة» تشكّل الوعي الأول والإدراك المبكر لدى جزاع، وهو وعيٌ قاده لاحقاً إلى عالم أرحب وأوسع من حدود قريته، لكنها ظلّت في داخله الأوسع والأكثر حناناً .
ويتحدث الكاتب طويلاً عن أطلال قصر جدّه المطل على نهر الفرات، ذلك النهر الذي كان يوماً صديقاً ورفيقاً، وكانت أصوات مياهه عبر النواعير أنيساً لطفولته.
لقد تحوّل القصر إلى ذكرى، فلم يعد ثمة جدارٌ يُلمس، ولا عتبةٌ تُقبَّل، بل أضحى صورةً يتيمة التقطها صيف عام 1966 شقيقه الأكبر تركي جزاع، الذي كان مولعاً بالتصوير. غير أن صورة المكان وذكرياته بقيت محفورةً في ذاكرة من تسوّر جدرانه صبياً، ثم عاد إليه شيخاً يقف على أطلاله رافضاً أن يشيخ الحنين داخله. والنهر الذي منح «زخيخة» الحياة، اقتطع منها جزءاً أيضاً، فالذي يمنح قادرٌ على أن يسلب. ويصف الكاتب «زخيخة « بأنها قرية تقع بين واديين، لكنها كانت واحةً عامرةً بالحياة، لا وادياً غير ذي زرع. لقد انتقلت « زخيخة» من كونها جغرافيا إلى معنىً أعمق وأشمل، وهذا الانتقال منحها عمراً أطول من عمر الحجر والطين اللذين شُيّدت بهما. وما أبقاها حية هو استذكار ابنها د. طه لها، إذ كتب عنها فجعلها خالدة مرتين، مرةً في الواقع، ومرةً في الذاكرة، على الرغم من أن مقبرة تقع على مرتفع قريب منها، يطل منها الموتى على الأحياء. ويروي د. طه في كتابه أنه شهد أول حادثة افتراس في حياته، حين افترس صقرٌ طائر القطاة الذي كان يرافقه في البيت والبستان. كما شهد أول ثأر أيضاً، حين انتقم أخوه الأكبر من الصقر فاصطاده ببندقيته، فمن يقتل يُقتل ولو بعد حين . ثم قام، بفطرته الطفولية، بدفن ما تبقى من قطاته المغدورة عند جذع نخلة، من غير أن يعرف طقوس الدفن، لكنه لم يحزن طويلاً، ربما لأن الثأر جاء سريعاً . لم تكن « زخيخة»، بحسب الكاتب، اسماً على خريطة فحسب، بل مكاناً اكتسب مع الزمن معنىً إنسانياً واجتماعياً. لذلك تبقى الأمكنة الأولى أكثر اتساعاً مما هي عليه في الواقع، لأنها فتحت دهشة الاكتشاف الأولى في أرواحنا. لقد كتبت «زخيخة « طه جزاع قبل أن يكتبها هو، وأحسب أنه وضعها في ذاكرة الأجيال، كما وضع بدر شاكر السياب قريته «جيكور « ونهرها « بويب «في الذاكرة ذاتها. غير أن «بويب» اندثر جغرافياً، بينما بقي الفرات الكبير يحتضن «زخيخة «بأطلالها وحنينها. « زخيخة « ، المكان الأول لطه جزاع، لم تختفِ حين غادرها، بل واصلت العيش فيه على هيئة أسئلةٍ وحنينٍ لا ينتهي .