
قبل الخوض في تفاصيل هذا المقال، لا بد من التذكير بحقيقة بديهية مفادها أن ما يُبنى على خطأ، لا يمكن أن يقود إلى صواب. ومن هذه القاعدة ننطلق للحديث عن واقعٍ بات مألوفاً، حيث تحوّل “الاستثناء” إلى قاعدة راسخة تحكم مفاصل متعددة من حياتنا، وعلى رأسها المشهد الرياضي.
فعلى مدى أكثر من عشرين عاماً، ظلّت مفردة “الاستثناء” حاضرة بقوة، تُبرّر القرارات وتُمرّر النتائج، في ظل ظروف عامة وُصفت بالاستثنائية. غير أن هذا التوصيف، الذي كان من المفترض أن يكون مؤقتاً، أصبح غطاءً دائماً تُرتكب تحته تجاوزات على حساب القانون والضوابط، ما أفضى إلى حالة من الفوضى والتخبط، وأفسح المجال للاجتهادات الشخصية لتتقدّم على حساب المؤسسية.وعند الانتقال إلى كرة القدم، بوصفها اللعبة الأكثر حضوراً وتأثيراً، تبرز إشكالية جوهرية تتعلق بكيفية قياس التطور الحقيقي. فهل يُقاس هذا التطور بنتائج المنتخبات الوطنية فقط؟ أم أن المعيار الأهم يكمن في جودة اللوائح، ورصانة التشريعات، وكفاءة تنظيم المسابقات المحلية، وقوة التنافس فيها؟ بل هل يمكن تحقيق نتائج متميزة على مستوى المنتخبات دون وجود قاعدة تنظيمية صلبة للدوري المحلي؟
إن التجارب العالمية تؤكد أن البناء الصحيح يبدأ من الداخل، من دوري منظم، واضح القواعد، مستقر الأنظمة، قادر على استقطاب الجماهير والإعلام والاستثمار، وصانع لبيئة صحية تتكامل فيها الأدوار بين جميع الأطراف. أما التركيز على النتائج الآنية للمنتخبات دون معالجة الخلل البنيوي، فهو أشبه بمحاولة تجميل الواجهة مع إهمال الأساس.
ومع نهاية الموسم الكروي الحالي وقبل الموسم الكروي الجديد، نتأمل ألا تتكرر الإشكاليات الحالية، ويُفاجأ الوسط الرياضي بقرارات وأنظمة جديدة لأن هذا النمط من الإدارة لا يعكس فقط غياب الاستقرار، بل يضعف الثقة بالمنظومة ويُربك الأندية واللاعبين والجماهير على حد سواء.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن نتائج مباراة أو ترتيب دوري، بل عن مستقبل منظومة بأكملها: إلى متى سيبقى الاجتهاد أو الإستثناء بديلاً عن التخطيط؟ ومتى تتحول القوانين من أدوات قابلة للتغيير المستمر إلى قواعد ثابتة تُبنى عليها رياضة حقيقية؟
الإجابة على هذه التساؤلات لم تعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة ملحّة تفرضها مصلحة الرياضة العراقية وكرة القدم بالأخص، التي لن تتطور ما لم تُرفع عنها شماعة “الاستثناء والإجتهاد”، ويُعاد بناؤها على أسس قانونية ومؤسسية واضحة وثابتة.