
وقف نوري المالكي، أحد الآباء المؤسسين لنظام العراق السياسي بعد عام 2003 ، الثالث الى اليسار وهو ينظر الى أحد الأبناء، علي الزيدي، الذين لم يكونوا عام 2003 قد بلغوا “سن الرشد” السياسي وهو يتسلم من رئيس الجمهورية نزار آميدي المرسوم الجمهوري الخاص بتكليفه تشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003. هذا التغيير الذي حصل بإرادة أميركية مكتملة الأركان. إذن بات الطريق ممهدا لمدة شهر لكي يشكل الزيدي الحكومة وهو ليس فقط من خارج “توليفة” جيل المؤسسين أو حتى من تلاهم “مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني”، بينما يصطف إياد علاوي، إبراهيم الجعفري، حيدر العبادي، عادل عبد المهدي مع جيل التأسيس الذي رفع على مدى عقدين من الزمن شعارات وأهدافاً من طراز “ما ننطيها” أو “لا تضيعوها”، بل والكلام هنا عن الزيدي بل هو من عالم آخر هو عالم المال والفرص الاقتصادية الناجحة.. فهل يكون هذا الشاب “فرصة نجاح” أم “مشروع إنقاذ”؟ سؤال لا يزال مطروحا، ولسوف تبقى إجابته مؤجلة حتى حين.
بعد أيام من وقوف المالكي ومعه من أبناء جيله المؤسس هادي العامري شيعيا مع آخرين تمكنوا من فرض وجودهم السياسي عبر مفهوم التعددية والتداول السلمي للسلطة “القاضي فائق زيدان، هيبت الحلبوسي رئيس البرلمان الذي ينتمي الى جيل مابعد شيوخ أو “شياب” السنة “، محسن عبد الحميد، أسامة النجيفي، محمود المشهداني، إياد السامرائي”، أقول بعد أيام وقف مسعود بارزاني أحد الآباء المؤسسين الكرد لهذا النظام مستقبلا أمام مدخل قصره الجبلي علي الزيدي رئيس الوزراء المقبل. هنا يطرح سؤال طارئ تفرضه اللحظة .. هل تسلم الزيدي “ الإبن ” الراية من الأبوين “المالكي والبارزاني”؟ أم أن، وهذه الـ “أن” فيها الف “أن” تحيل الى نسق مضمر يقف خلف ما يبدو تبادلا سلميا لسلطة محروسة بشتى أنواع السلاح المرخص وغير المرخص، الخارجي المرفوض والداخلي المختلف على توصيفه، أم يبدو الأمر مجرد “إزاحة جيلية” أم أكبر من إزاحة جيلية؟
لايبدو هذا التبادل للسلطة قسريا من الظاهر. كل شيء جرى أمام كاميرات التلفاز وسط تبادل للإبتسامات والنظرات وربما الحسرات المضمرة والتي لم تكشفها فلاشات التصوير التي تطاير شعاعها مع هول اللحظة مع أول إنتقال سلمي للسلطة التي تداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الأيديولوجيات الحزبية ببعديها السياسي القومي والديني.
بلا شك نحن حيال تحول بل طفرة بل “كسر” لقوالب بدت صامدة، صلدة، محمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي. لا ننسى ولا أعرف إن كان الآباء المؤسسون (ناسين) أو متناسين أو يتمترسون خلف قاعدة من تأخذه العزة بالإثم أن هذا النظام السياسي الذي يحكمونه ويتحكمون بمفاصله حتى الاقتصادية عبر لجان إقتصادية هجينة، طفيلية الأميركان هم الذين إنتزعوه لهم من مخالب صدام. بعضهم يعرف ويعترف بينما بعضهم الآخر لا يعترف ولا أعرف إن كان يعرف. مع ذلك ليس بوسعنا محاكمة النوايا بل النتائج والمعطيات. والنتائج والمعطيات تقول إن ما حصل لإنتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار أيديولوجي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية الى إنتقال بدا مفاجئا لكن سلساً الى جيل الأبناء لكن هذه المرة من خارج “الموديل” السياسي. ليس هذا فقط. هناك ما هو أخطر بل وأقمش. إذا كانت أميركا جاءت بجيل الآباء المؤسسين من المنافي فإنه طبقاً لوصف الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب الذي لديه ملاحظات على طريقة “تحرير” العراق أيام كانت مفردة “التحرير” تحتل كل القواميس أو “إحتلال” العراق حيث باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، أقول طبقًا لوصف ترمب أو قل مفاجآته، أن التغيير الحالي من جيل الآباء الى جيل الأبناء إنما تم “بمساعدتنا” أيضاً. ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني أكبر من “إزاحة جيلية”. بل الأمر هكذا يبدو أن أميركا التي جاءت بجيل الآباء المؤسسين هي نفسها أتت بجيل الأبناء، وهذه المرة من خارج مبنى السياسة الى جوهر تقلبات المال والأعمال، وبالتالي فإننا وحيال تفكيك مفردتي “جاء وأتى” نكون قد كتبنا مقالاً لا معنى له، بل سالب بإنتفاء الموضوع.