
في ذاكرة المسرح العراقي اسم لا يمكن تجاوزه حين نتحدث عن التجريب والجرأة والاشتباك الحقيقي مع قضايا المجتمع.. إنه المخرج مقداد مسلم الذي شكل عبر مسيرته الطويلة جسرا بين المعرفة الاكاديمية والتطبيق العملي وترك بصمته في العراق وخارجه من بغداد الى عمان وطرابلس وتونس حيث امتدت تجربته لأكثر من نصف قرن حافلة بالعطاء والتحدي والتجديد.. في هذا الحوار يكشف حمادي تفاصيل رحلته مع المسرح منذ البدايات الاولى حتى تجربته الدولية ورؤيته لدور الفن في بناء الانسان والمجتمع.
* كيف كانت بداياتك مع عالم الفن والمسرح ؟
ـ بدأت رحلتي مع المسرح في نادي الحرية الذي تحول لاحقا الى مركز شباب الحرية في مدينة الحرية ببغداد في اواخر الستينيات حيث انضممت الى الفرقة المسرحية تحت ادارة الفنان ثامر عبد الكريم الذي تعلمنا منه الانضباط واحترام العمل المسرحي، وقدمنا اعمالا كوميدية قصيرة ثم شاركنا في مسرحية شعبية كبيرة لاقت نجاحا وشجعتنا على الاستمرار وكنت حينها طالبا في المتوسطة فأسست فرقة مسرحية داخل المدرسة وبدأت اقدم عروضا بسيطة تطورت لاحقا الى اعمال اكثر نضجا واحترافا.
* كيف تطورت تجربتك المسرحية بعد تلك البدايات؟
ـ مع مرور الوقت بدأت اعمل على تقديم عروض في مسارح اكبر مثل مسرح اعدادية الكاظمية ثم قاعة الرباط، وشاركت في تأسيس فرق مسرحية منها فرقة مسرح فلسطين وفرقة المسرح الجماهيري، وقدمنا اعمالا متعددة منها اعمال ذات طابع فكري وثقافي مهم، وكانت هذه التجارب تمثل انتقالا تدريجيا من الهواية الى الاحتراف خاصة مع ازدياد الوعي المسرحي والثقافي لدي .
* ما الدور الذي لعبته الثقافة والقراءة في تطوير تجربتك ؟
ـ القراءة كانت حجر الاساس في تكويني حيث كنت اقرأ بشكل مستمر مسرحيات وكتباً في فنون المسرح وتاريخه حتى وصلت الى قراءة مئات النصوص، وهذا ساعدني على فهم المدارس المسرحية المختلفة وتطوير رؤيتي الخاصة، كما عزز لدي القدرة على التحليل والابداع وجعلني اكثر قدرة على مواجهة التحديات.
* كيف كانت تجربتك في الدراسة الاكاديمية؟
ـ بعد المرحلة الاعدادية قدمت الى اكاديمية الفنون الجميلة وخضعت لاختبار امام لجنة من كبار الاساتذة، وقدمت ملفا يتضمن اعمالي السابقة وتم قبولي رغم انني لم اكمل الاختبار التقليدي بسبب قناعة اللجنة بخبرتي السابقة، وكانت الدراسة الاكاديمية تجربة مهمة جمعت بين الجانب النظري والتطبيقي، وفتحت امامي افاقا واسعة للتعلم والعمل
* هل واجهت تحديات خلال دراستك؟
ـ نعم، كانت هناك تحديات عديدة منها القيود المفروضة على طلبة المرحلة الاولى لكنني تمكنت من المشاركة في اعمال مهمة مع اساتذة كبار، وشاركت في عروض مسرحية متعددة، كما انتقلت لاحقا الى قسم الاخراج، وقدمت مشاريع متنوعة كان ابرزها مشروع التخرج الذي كان عملا كبيرا وصعبا لكنه حقق نجاحا مميزا.
* حدثنا عن تجربة اخراج مشروع التخرج ؟
ـ اخترت مسرحية معقدة وصعبة وبدأت بدراستها بشكل معمق، وواجهت تحذيرات من صعوبتها لكنني كنت مصرا على تقديمها بشكل مختلف، فقمت بتجارب ميدانية مع الممثلين وزيارات لمؤسسات مختلفة لفهم الشخصيات بشكل واقعي، وقدمت العمل بطريقة جديدة خارج القاعة التقليدية ونجح العرض بشكل كبير وحصلت على اعلى التقييمات .
* ما ابرز التحديات التي واجهتك كمخرج في تلك الفترة ؟
ـ كانت الرقابة من ابرز التحديات اضافة الى صعوبة العمل ضمن مؤسسات ادارية قد لا تفهم طبيعة العمل الفني لكنني كنت احاول دائما تقديم ما اؤمن به من افكار رغم كل الصعوبات مع الحفاظ على التوازن بين الجرأة والواقع .
* كيف كانت بداياتك المهنية بعد التخرج ؟
ـ بعد اكمال دراستي التحقت بالفرق القومية للتمثيل كمخرج رغم وجود فرص للعمل الاكاديمي، لكنني فضلت العمل التطبيقي وواجهت في البداية تشكيكا بسبب صغر سني لكنني استطعت اثبات نفسي من خلال الاعمال التي قدمتها والتي شارك فيها كبار الفنانين .
* ما أهم المبادرات التي قمت بها في تلك المرحلة ؟
ـ من اهم المبادرات اعادة تفعيل نادي المسرح وتحويله الى منتدى المسرح العراقي حيث عملنا على تقديم عروض تجريبية وخلق فضاء ثقافي جديد للمسرحيين، ونجح المنتدى في استقطاب العديد من الطاقات الشابة واصبح منصة مهمة للتجارب المسرحية .
* كم عدد الاعمال التي قدمتها وما أبرزها ؟
ـ قدمت اكثر من ثلاثين عملا مسرحيا بين التأليف والاخراج، ومن ابرزها الخيط والعصفور وصايرة ودائرة في بغداد، واحوال وامثال والناس اجناس، وهنا بدأ التاريخ وكانت هذه الاعمال تعكس اهتمامي بالقضايا الاجتماعية والتراث الشعبي .
* ما المنهج الذي تأثرت به في عملك المسرحي .
ـ تأثرت كثيرا بمنهج برتولت بريشت الذي يقوم على كسر الجدار الرابع وتحفيز عقل المتفرج، وجعله شريكا في العمل المسرحي، وهذا المنهج وجدته قريبا من الجمهور ويتيح تقديم افكار عميقة بأسلوب فني مميز.
* كيف كانت تجربتك خارج العراق؟
ـ عملت في الاردن حيث قدمت اعمالا مسرحية مع طلبة الجامعات ثم انتقلت الى ليبيا وبعدها الى تونس حيث عملت في المعهد العالي للمسرح وكانت تجربة غنية سمحت لي بالاطلاع على تجارب مختلفة وتبادل الخبرات مع فنانين من ثقافات متعددة .
* ما اهم الانجازات التي حققتها في مسيرتك ؟
ـ من أهم الانجازات تأسيس منتدى المسرح العراقي وتقديم عشرات الاعمال المسرحية الناجحة والحصول على جوائز تقديرية، اضافة الى المساهمة في تدريب اجيال من الفنانين الذين اصبحوا لاحقاً نجوما في الساحة الفنية .
* كيف تنظر الى واقع المسرح اليوم ؟
ـ المسرح يواجه تحديات كبيرة لكنه ما زال قادرا على التعبير والتأثير إذا توافرت له الظروف المناسبة والدعم الكافي، ويجب العمل على دعم الشباب وتوفير بيئة حاضنة للابداع .
* ما النصيحة التي تقدمها للشباب ؟
ـ انصحهم بالقراءة المستمرة والتدريب والعمل الجاد وعدم الخوف من التحديات، فالفن يحتاج الى صبر واصرار ومن يؤمن بموهبته يستطيع ان يحقق النجاح رغم كل الصعوبات .
* كيف كانت تجربتك في العمل خارج العراق ؟ .
ـ كانت تجربة مهمة جدا بدأت في الاردن عام 1991 ، حيث كنت من اوائل العراقيين الذين درسوا في جامعة اليرموك وقد توليت تدريس مادتي الاخراج والتمثيل وقمت بتقسيم الطلبة الى مجموعات وقدمت معهم عددا كبيرا من العروض المسرحية وصلت الى خمسة عشر عملا في عام واحد، وكان لذلك اثر واضح في تطوير مستوى الطلبة رغم ما رافق ذلك من حسد ومنافسة من البعض .
* ماذا عن انتقالك الى ليبيا ثم تونس ؟
ـ بعد انتهاء تجربتي في الاردن تواصلت مع عدة دول، فحصلت على فرصة في ليبيا وسافرت اليها رغم ظروف الحصار لكنني وجدت ان طبيعة العمل هناك لا تتناسب مع رؤيتي الفنية فانتقلت بعدها الى تونس بعد ان حصلت الموافقة الرسمية للعمل في المعهد العالي للمسرح، وهناك بدأت مرحلة طويلة ومهمة من حياتي المهنية .
* كيف تصف تجربتك في تونس ؟
ـ استمرت تجربتي في تونس خمسة وعشرين عاما، وكانت غنية جدا على مستوى التدريس والاشراف الاكاديمي حيث اشرفت على عشرات مشاريع التخرج.
وساهمت في تكوين اجيال من الطلبة الذين اصبحوا فاعلين في الوسط الثقاف،ي كما شاركت في العديد من المهرجانات المسرحية كعضو لجنة تحكيم او رئيس لجنة او محاضر .
* هل واجهت صعوبات في العمل هناك؟
ـ نعم، كان هناك مبدأ في تونس يفضل اعطاء الفرص لأبناء البلد، لذلك لم تتح لي فرصة اخراج اعمال احترافية كثيرة لكنني عوضت ذلك من خلال الكتابة للاذاعة والتلفزيون، حيث قدمت اعمالا درامية متعددة اضافة الى النشاط الاكاديمي والمهرجانات.
* ما ابرز انجازاتك خلال تلك الفترة ؟
ـ من اهم الانجازات الاشراف على عدد كبير من مشاريع التخرج وتخريج طلبة متميزين، اضافة الى التكريمات التي حصلت عليها، ومن بينها تسمية قاعة كبرى باسمي في جامعة جندوبة وهو تكريم اعتز به كثيرا كما حصلت على الجنسية التونسية تقديرا لمسيرتي.
* كيف كانت مشاركاتك في المهرجانات المسرحية ؟
ـ شاركت في العديد من المهرجانات المحلية والعربية والدولية، وكنت غالبا اقدم ملاحظات نقدية علمية للمشاركين مما ساهم في تطوير اعمالهم، وكان لذلك صدى طيب حيث كان الكثير منهم يعود لاحقا، ويؤكد استفادته من تلك الملاحظات .
* ماذا عن تجربتك بعد العودة الى العراق؟
ـ عدت الى العراق عام 2017 وواصلت العمل رغم الصعوبات، وقدمت اعمالا مسرحية موجهة للناشئة، وكتبت نصوصا تهدف الى اعادة العائلة العراقية الى المسرح من خلال تناول قضايا اجتماعية معاصرة مثل تأثير التكنولوجيا على العلاقات الاسرية .
* كيف ترى واقع المسرح في العراق اليوم ؟
ـ المسرح يواجه تحديات كبيرة من حيث الدعم والاهتمام لكنني اؤمن بقدرته على النهوض إذا توافرت الارادة الحقيقية، لان المسرح يمثل حاجة اساسية للمجتمع وليس مجرد ترف ثقافي .
* ما الرسالة التي توجهها للمؤسسات الثقافية ؟
ـ ادعو الى دعم المسرح بشكل جاد وتقديم اعمال تعبر عن هموم الناس، وتلبي حاجاتهم الثقافية لان المجتمع بحاجة الى الفن كما يحتاج الى الماء والهواء، فالمسرح يسهم في نشر الوعي والقيم ويعزز التماسك الاجتماعي.
* ما نصيحتك للاجيال الجديدة ؟
ـ أنصحهم بالتمسك بالثقافة والمعرفة والعمل الجاد والالتزام بالقيم الاخلاقية لان الفنان مسؤول عن رسالته ويجب ان يكون قدوة في سلوكه وفكره وان يسعى دائما لتطوير نفسه وخدمة مجتمعه .