
في كل عام، يحل فيه اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي صادف أمس الأحد 3 أيار كموعد للاحتفاء بالكلمة، تكتب البيانات وترتفع الشعارات التي تتغنى بهذا اليوم، لكنه في منطقتنا، يصل مُثقلاً بأسماء لا تُقرأ بوصفها مهناً، بل بوصفها شواهد قبور. فحرية الصحافة في بلداننا العربية ليست شعاراً يُرفع، بل ثمناً يُدفع، وغالباً ما يكون الثمن حياة كاملة تُطفأ على عجل.
في فلسطين، لا يبدو الصحفي ناقلاً للحدث بقدر ما هو جزء منه حين يقف بالكاميرا بين ركام البيوت، يدون ما يحدث وهو يعرف أن اسمه قد يُضاف بعد قليل إلى قائمة الضحايا . ومنذ اندلاع حرب غزة 2023، تحولت السترة التي كُتب عليها « PRESS» من علامة حماية إلى هدف مرئي، وصار السؤال: مَن يوثق موت المُوثِّق؟ ومن يكتب الخبر حين يغيب كاتبه؟. ولعل اسم شيرين أبو عاقلة لا يزال حاضراً في الذاكرة بوصفه لحظة فاصلة، فحين استشهدت لم يسقط جسدها فقط، بل انكشفت هشاشة الحماية التي يُفترض أن تُحيط بالصحفيين، ومعها، صار واضحاً أن الكاميرا قد تواجه الرصاصة بلا درع سوى الحقيقة. وفي لبنان، حيث تتداخل الجغرافيا مع الخطر، دفعت الصحافة ثمن اقترابها من خطوط النار، لا سيما في الجنوب حيث استشهد عدد من الصحفيين أثناء تغطيتهم الميدانية، من بينهم شهيدة الجنوب فاطمة فتوني، وشقيقها محمد فتوني، وزميلتها آمال خليل، والمصور عصام عبد الله الذي نال الشهادة بقصف اسرائيلي غادر استهدف مجموعة صحفيين قرب الحدود، في حادثة أعادت طرح سؤال الحماية الدولية للإعلاميين ، كما أُصيب عدد من زملائه من قنوات ووكالات مختلفة، في مشهد بدا فيه الصحفي مكشوفاً تماماً أمام آلة الحرب، والشواهد والأسماء أكثر من أن تُعد .
المفارقة أن العالم يحتفي بحرية الصحافة في قاعات مكيفة، بينما تُكتب قصصها الحقيقية تحت القصف، ولا شك أن هناك فرقاً شاسعاً بين حرية تُقاس بالمؤشرات، وحرية تُقاس بعدد الذين لم يعودوا إلى بيوتهم، ففي التقارير الدولية، تُذكر الأرقام، أما في الواقع، فلكل رقم وجه واسم وحكاية.
في هذا اليوم، لا يكفي أن نرفع الشعارات، بل المطلوب أن نعيد تعريف الحرية نفسها، وأن تكون الكلمة محمية، وصاحبها أيضاً لكي لا يتحول نقل الحقيقة إلى مغامرة بحياته، وأن لا يصبح القارئ شريكاً من دون أن يدري، في استهلاك أخبار كُتبت بدم أصحابها. وربما، ونحن نستعيد أسماء بعض الصحفيين الذين رحلوا، ندرك أن الصحافة لم تكن يوماً مهنة عادية، إنما هي كتابة على حافة الخطر، وسير دائم بين الحقيقة والموت، ولهذا فإن كل خبر نقرأه من ساحات الحرب والمواجهة والمقاومة، ليس نصاً فحسب، بل أثر نجاة مؤقتة .
في النهاية، قد لا تغير الكلمة العالم فوراً، وقد تسقط برصاصة قاتلة، أو شظايا صاروخ أطلقته طائرة مسيرة، أو قذيفة مدفع، لكنها تمنع الظلام من أن يكون كاملاً، وهذا في زمن مثل زماننا، شكل من أشكال الانتصار.