
يُعد الفنان الموصلي عامر يونس واحداً من أبرز الأصوات التي حافظت على هوية الغناء التراثي في العراق، ولاسيما فن الموشحات والقدود الحلبية، التي شكّلت امتداداً أصيلاً للغناء العربي الكلاسيكي. ولد في مدينة الموصل عام 1954، في بيئة ثقافية عريقة عُرفت بإنتاجها لأهم أعلام الموسيقى، مثل عثمان الموصلي وجميل بشير ومنير بشير. ومنذ طفولته، تشكّلت ملامح صوته بين تلاوة القرآن الكريم والإنشاد، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى فضاءات الغناء الاحترافي، ليصبح واحداً من رموز الحفاظ على التراث الموسيقي الموصلي والعربي. في هذا الحوار، نستعرض محطات حياته الفنية والإنسانية، ورؤيته للحفاظ على هذا الإرث الغنائي العريق.
اليوم ونحن نحط الرحال في المدينة العريقة الموصل الحبيبة لنكون ضيفا عند الفنان الموصلي عامر يونس وكلنا ضيوف الزوراء فأهلا وسهلا بك استاذ عامر .
ــ اهلا ومرحبا بكم في رحاب الموصل مدينة التراث والمحبة .
* حدثنا كيف كانت بداياتك الأولى مع الصوت والفن؟
ــ بداياتي كانت مبكرة جداً، فقد نشأت في بيت ديني، وكان والدي قارئاً للقرآن الكريم، وهذا ما جعلني أتعلم التلاوة والتجويد منذ الصغر.
في المدرسة الابتدائية، كان معلم الدين يطلب مني قراءة القرآن أمام الطلبة، وكان يعجب بصوتي ويشجعني على الاستمرار. هذه التجربة أسست لدي الإحساس بالمقام والنغمة، حتى قبل أن أعرف الموسيقى بشكلها الأكاديمي.
* كيف انتقلت من التلاوة إلى عالم الغناء؟
ــ بعد إكمال الدراسة المتوسطة، التحقت بالخدمة العسكرية، وكنت في تلك الفترة مهتماً بالرياضة، حيث لعبت كرة القدم ومارست المصارعة، وحققت بطولة فيها. لكن شغفي الحقيقي كان بالموسيقى، إذ كنت أستمع في مقهى شارع الفاروق إلى أغاني أم كلثوم والقدود الحلبية، خصوصاً أغنية اسقي العطاش، وهذا اللون أثر فيّ كثيراً، وبدأت أشعر أن هذا هو طريقي الحقيقي.
* من هم أبرز الأساتذة الذين أثروا في تجربتك؟
ــ التقيت في مركز شباب المثنى مجموعة من الموسيقيين، وكان من بينهم الأستاذ نبيل الشعار، الذي علمني أساسيات المقامات والموشحات والإيقاعات.
لاحقاً، عندما انتقلت إلى بغداد، تتلمذت على يد كبار الموسيقيين، مثل روحي الخماش ومنير بشير وغانم حداد وشعوبي إبراهيم، وهؤلاء كانوا مدرسة حقيقية في الفن.
* حدثنا عن أول ظهور لك في التلفزيون؟
ــ أول أغنية سجلتها كانت في تلفزيون الموصل عام 1976، وكانت أغنية «أنا في انتظارك للسيدة أم كلثو»م، وتم تصويرها بالأبيض والأسود بإخراج الفنان غازي فيصل. هذا الظهور كان مهماً جداً بالنسبة لي، لأنه منحني ثقة كبيرة وشجعني على الاستمرار.
* كيف كانت انطلاقتك الحقيقية في بغداد؟
ــ الانطلاقة الحقيقية كانت عندما دعاني الفنان الكبير محمد حسين مرعي للمشاركة في مهرجان كبير في بغداد، حيث كان الحضور من كبار الموسيقيين من مختلف المدن العراقية. قدمت موشحات من مقام الكرد، ونلت إعجاب الحاضرين، وتم تكريمي، ومن هناك بدأت رحلتي الاحترافية.
* ماذا عن عملك في الفرقة القومية للفنون الشعبية؟
ــ بعد نجاحي في بغداد، تم تعييني في الفرقة القومية للفنون الشعبية التابعة لوزارة الثقافة والإعلام، وشاركت معها في العديد من المهرجانات داخل العراق وخارجه. كانت تجربة مهمة لأنها عرّفتني على جمهور واسع ومنحتني فرصة الاحتكاك بفنانين كبار.
* كيف أثرت دراستك في معهد الدراسات الموسيقية على مسيرتك؟
ــ الدراسة في المعهد كانت نقلة نوعية، حيث تعلمت بشكل علمي المقامات والإيقاعات، وأصبحت أكثر وعياً بتفاصيل الموسيقى. هذا ساعدني على تطوير أدائي والحفاظ على أصالة الغناء الذي أقدمه.
* مَن هم أبرز الفنانين الذين تعاملت معهم؟
ــ تعاملت مع عدد كبير من الملحنين والمطربين، منهم طالب القرغولي وفاروق هلال وعباس جميل، وكذلك المطربين ياس خضر وسعدون جابر وكاظم الساهر وغيرهم. هذه اللقاءات أغنت تجربتي كثيراً.
* ماذا عن مشاركاتك خارج العراق؟
ــ شاركت في العديد من المهرجانات العربية والدولية، وسافرت إلى دول مختلفة. من أبرز هذه المشاركات رحلتي إلى مصر عام 2001 ضمن وفد وزارة الثقافة والإعلام، برئاسة طالب القرغولي، وبمشاركة الفنانة أمل خضير، حيث قدمنا حفلات نالت إعجاب الجمهور.
* كيف تنظر إلى فن الموشحات اليوم؟
ــ الموشحات هي أصل الغناء العربي، لكنها تحتاج إلى دعم أكبر اليوم. هذا الفن عميق ويعتمد على المقام والإحساس، ويجب أن يُقدّم بشكل صحيح للأجيال الجديدة حتى لا يندثر.
* حدثنا عن تأسيس فرقة عثمان الموصلي؟
ــ أسست فرقة عثمان الموصلي للتراث الموسيقي بهدف إحياء هذا التراث والحفاظ عليه. تضم الفرقة كادراً موسيقياً وأصواتاً شابة وعنصراً نسوياً، ونقيم أمسيات أسبوعية في بيت الجلبي التراثي، بالإضافة إلى تنظيم معارض ودورات موسيقية.
* ما الهدف من هذا المشروع؟
ــ الهدف هو أن يكون هناك مركز ثقافي يجمع الناس حول الفن الأصيل، ويعيد إحياء التراث الموصلي، ويمنح الفرصة للشباب لتعلم هذا الفن والاستمرار فيه.
* كيف ترى واقع الأغنية التراثية اليوم؟
ــ الأغنية التراثية تعاني من قلة الاهتمام، لكنها لا تزال موجودة بفضل بعض الفنانين والجهود الفردية. نحن بحاجة إلى دعم مؤسساتي أكبر للحفاظ عليها.
* ما الرسالة التي تود توجيهها للجيل الجديد؟
ــ أنصح الشباب بالعودة إلى الجذور، وتعلم المقامات والموشحات، لأن من لا يعرف الأصل لا يستطيع أن يبدع في الحاضر.
* ما الذي يمثله لك الغناء اليوم؟
ــ الغناء بالنسبة لي هو رسالة وحياة، وهو وسيلة للحفاظ على الهوية الثقافية، وأشعر بالفخر أنني أسهمت ولو بجزء بسيط في هذا المجال.
بهذا الحوار، تتجلى تجربة الفنان عامر يونس بوصفها رحلة وفاء للتراث، وصوتاً أصيلاً يواصل الدفاع عن جماليات الغناء العربي، في زمن تتسارع فيه التحولات الفنية، لكنه يظل متمسكاً بالجذور، مؤمناً بأن الفن الحقيقي لا يموت.