
تأليف هشام داوود - باحث عراقي-فرنسي في الأنثروبولوجيا السياسية
حين تفشل الدولة، يظهر شيخ العشيرة. وحين تبحث السلطة عن الولاء، تستدعي القبيلة. وحين ينهار الأمن، يعود الناس إلى روابطهم الأولى. لكن هل يعني ذلك أن المجتمعات العربية ما زالت أسيرة الماضي؟ هذا الكتاب يجيب بالنفي، ويكشف أن العشيرة ليست بقايا بدائية، بل مؤسسة متحولة تعيش داخل الحداثة، وتُعاد صياغتها في الحرب والسياسة والاقتصاد.
ينطلق هذا الكتاب من نقد الصورة النمطية الغربية التي تختزل المجتمعات العربية والإسلامية في “القبلية” بوصفها بقايا تقليدية من الماضي. ويجادل بأن العشيرة أو القبيلة ليست ظاهرة ثابتة جامدة، بل بنية اجتماعية وسياسية متحولة، تتكيف مع الدولة الحديثة، ومع الاقتصاد، ومع الحروب، ومع الإسلام السياسي، ومع العولمة.
فالكتاب لا يسأل: هل انتهت القبيلة؟ بل يسأل: كيف تغيّرت؟ وكيف يُعاد استخدامها سياسيًا؟
المحاور الرئيسة:
أولًا: العشائر والقبائل والإسلاموية والدولة:
يركز هذا القسم على العلاقة المركبة بين القبيلة والدولة الحديثة والحركات الإسلامية:
1. العشيرة ليست نقيض الدولة دائمًا:
يفكك الكتاب الفكرة الشائعة التي تقول إن الدولة الحديثة تقوم فقط حين تختفي القبيلة. ويبين أن كثيرًا من الدول العربية استخدمت العشائر كوسيط للحكم، أو كأداة لضبط المجتمع، أو كأساس للتوازنات السياسية.
أمثلة:
العراق في عهد صدام حسين
ليبيا في عهد القذافي
اليمن في عهد علي عبد الله صالح
الأردن في هندسة التمثيل السياسي والاجتماعي
2. الإسلام السياسي والعشيرة:
يبين الكتاب أن العلاقة بين الحركات الإسلامية والعشائر ليست علاقة اندماج تلقائي، بل علاقة تفاوض وصراع أحيانًا.
ففي بعض الحالات:
العشيرة تقاوم الإسلاميين
الإسلاميون يحاولون اختراق البنى العشائرية
الجماعات الجهادية تسعى لإزاحة زعماء القبائل
العشائر والقبائل في مناطق النزاعات:
هذا القسم هو الأكثر أهمية، إذ يدرس كيف تعمل القبيلة في بيئات الحرب والانهيار.
يقدم العراق مثالًا واضحًا على التحول العشائري الحديث:
في الستينيات والسبعينيات: إخضاع العشائر للدولة
في الثمانينيات والتسعينيات: إعادة عشرنة الدولة
بعد 2003: دور للعشائر في زمن الاحتلال
لاحقًا: العشائر في الصراع الطائفي والأمني
ويبين الكتاب أن العشيرة لم تعد بنية تقليدية فقط، بل أصبحت أداة سياسية وعسكرية.
في اليمن، القبيلة ليست مجرد رابطة دم، بل تنظيم سياسي إقليمي متجذر. وقد استخدم النظام الجمهوري القبائل ودمجها في شبكات الزبائنية والسلطة.
لكن انتفاضة 2011 أظهرت أن المجتمع اليمني أكثر تعقيدًا من اختزاله في القبيلة، إذ برز الشباب المدني والمدن والحركات الحديثة.
يرى الكتاب أن نظام القذافي فكك مؤسسات الدولة، وعوضها بشبكات محلية وقبلية. وبعد سقوطه، أصبحت الجماعات المحلية والجهوية هي الفاعل الأساسي بسبب غياب الدولة المركزية.
يعارض الكتاب القراءة الغربية التي فسرت كل شيء عبر “القبيلة”. ففي أفغانستان، كانت الحرب تقاد غالبًا بواسطة رجال دين وأحزاب مسلحة، لا عبر زعماء القبائل التقليديين.
وفي المناطق البشتونية بباكستان، أدت طالبان إلى تقويض النظام القبلي التقليدي واغتيال الأعيان المحليين، أي أن الحركات الجهادية قد تُضعف القبيلة بدل أن تعززها.
يؤكد الكتاب أن الجزائر ليست مجتمعًا قبليًا بالمعنى السائد، وأن الخطاب الإعلامي والسياسي يضخم البعد القبلي أكثر مما تعكسه الوقائع الاجتماعية الفعلية.
الأفكار النظرية الأساسية:
1. القبيلة ليست بقايا من الماضي
ليست أثرًا متحجرًا، بل شكلًا مرنًا من التنظيم الاجتماعي يمكن أن يعود بأشكال جديدة.
2. القبيلة قد تكون حديثة
قد تعمل داخل الدولة الحديثة، الانتخابات، الاقتصاد الريعي، الأجهزة الأمنية، وحتى الإعلام.
3. الدولة نفسها تنتج القبلية
في أحيان كثيرة، لا تبقى القبيلة رغم الدولة، بل بسبب الدولة التي تعيد استخدامها وتمنحها امتيازات.
4. الحروب تعيد تشكيل العشائر
في لحظات الانهيار، تصبح العشيرة شبكة حماية وتفاوض ووساطة، لكنها قد تتفكك أيضًا أمام الميليشيات أو الجماعات العقائدية.