
ليس الاتفاق المحتمل بين الولايات المتحدة وإيران حدثاً عادياً في سياق السياسة الدولية، بل هو محاولة لإدارة واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في الشرق الأوسط. فالعلاقة بين الطرفين لم تكن منذ قيام الثورة الإيرانية سوى سلسلة من المواجهات السياسية والاقتصادية والأمنية، تتراوح بين العقوبات القاسية والتوتر العسكري غير المباشر. لذلك فإن أي اتفاق جديد لا يعني بالضرورة نهاية الصراع، بل قد يمثل مرحلة من إعادة تنظيمه.
الولايات المتحدة تنظر إلى الاتفاق بوصفه أداة لاحتواء البرنامج النووي الإيراني ومنع تحوله إلى عنصر تفجير استراتيجي في المنطقة، خصوصاً بعد التجربة التي شهدها العالم مع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015. يومها اعتُبر الاتفاق إنجازاً دبلوماسياً كبيراً، لكنه سرعان ما تعرض لهزة عميقة عندما انسحبت منه واشنطن في عهد دونالد ترامب، ما أعاد الأزمة إلى نقطة الصفر تقريباً.
أما إيران فتتعامل مع أي اتفاق من زاوية مختلفة. فالأولوية بالنسبة لطهران ليست فقط الملف النووي، بل رفع العقوبات الاقتصادية التي أثقلت اقتصادها وأثرت في قدرتها على الحركة الإقليمية. ومن هنا تسعى القيادة الإيرانية إلى تحقيق معادلة دقيقة: الحفاظ على عناصر قوتها الاستراتيجية، مع فتح نافذة اقتصادية تخفف الضغط الداخلي.
لكن المشكلة الحقيقية التي قد تواجه أي اتفاق تكمن خارج طاولة المفاوضات. فـ إسرائيل، التي ترى في البرنامج النووي الإيراني تهديداً مباشراً لأمنها القومي، لا تعتبر نفسها ملزمة بأي تفاهم لا يزيل هذا التهديد بالكامل. ولهذا حافظت دائماً على هامش واسع من حرية الحركة العسكرية والاستخبارية، سواء عبر عمليات سرية أو ضربات استباقية.
كما أن البيئة الإقليمية نفسها تضيف طبقة أخرى من التعقيد. فالصراع غير المباشر بين إيران وعدد من القوى الإقليمية في دول مثل العراق وسوريا ولبنان يجعل من الصعب تحويل الاتفاق النووي إلى استقرار سياسي شامل. فهذه الساحات تمثل في الواقع خطوط تماس بين مشاريع نفوذ متنافسة، لا يمكن حلها بمجرد تفاهم تقني حول تخصيب اليورانيوم.
لذلك يبدو أن أي اتفاق جديد، إن وُلد، سيكون أقرب إلى هدنة استراتيجية منه إلى تسوية نهائية. هدنة تسمح لواشنطن بإدارة التوازنات الدولية في لحظة عالمية مضطربة، وتمنح طهران فرصة لالتقاط أنفاسها اقتصادياً، لكنها لن تنهي حالة الشك العميق بين الطرفين.
وفي الشرق الأوسط، حيث تتشابك المصالح الدولية والإقليمية بصورة غير مسبوقة، تبقى الحقيقة الأهم أن الاتفاقات الكبرى لا تلغي الصراعات، بل تعيد رسم حدودها فقط. ولهذا قد يكون الاتفاق بين واشنطن وطهران بداية مرحلة جديدة من التنافس، لا نهاية له.