رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
خلف قناع التهدئة صراع الأنفاس الأخيرة


المشاهدات 1037
تاريخ الإضافة 2026/04/21 - 12:09 AM
آخر تحديث 2026/04/21 - 2:21 AM


بين ضجيج التصريحات الرسمية التي تروج لتهدئة أو هدنة هشة وبين أزيز المسيرُّات وصفارات الإنذار التي لا تكاد تهدأ يبدو أن الصراع الإيراني الإسرائيلي قد دخل مرحلة ضبابية تتجاوز كل التعريفات التقليدية للحروب، فنحن اليوم لا نعيش سلاماً بمفهومه الحقيقي انما نعيش حالة من الحرب في طور الإنكار حيث يتحول وقف إطلاق النار من كونه غاية إنسانية أو سياسية إلى مجرد أداة تكتيكية لإدارة الصراع وتغيير قواعده الميدانية.
إن الهدنة في القواميس السياسية الكلاسيكية تعني عادة توقف الأطراف عن القتال لمنح الدبلوماسية فرصة لرسم ملامح حلول مستدامة. أما في القاموس الخاص بالصراع «الإيراني _الإسرائيلي» فإن الهدنة ليست سوى عملية إعادة تموضع لزوايا الهجوم واستعادة للأنفاس قبل جولة أكثر ضراوة، فبينما يهدأ القصف المباشر فوق العواصم والمدن الكبرى تستمر النيران في الاشتعال تحت الرماد في ساحات إقليمية ممتدة مما يجعل مصطلح التهدئة مجرد غطاء شكلي لواقع أمني وعسكري يزداد شراسة يوماً بعد يوم، وهو ما يشير إلى أننا أمام مرحلة انتقالية من المواجهة الشاملة والصدام المفتوح إلى ما يمكن تسميته «حرب الاستنزاف الذكية».
إن الواقع الميداني اليوم يؤكد أن الطرفين يدركان تماماً أن الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة ومباشرة سيكلف الجميع أثماناً باهظة قد لا تتحملها الاقتصادات المنهكة أو البنى التحتية الحساسة، ولذا نشهد استبدالاً تدريجياً للصواريخ الباليستية العابرة للحدود بالهجمات السيبرانية المعقدة التي تمتلك القدرة على شل مرافق الدولة الحيوية من محطات طاقة وشبكات مياه دون إطلاق رصاصة واحدة،  كما يتم الركون إلى استراتيجية الاغتيالات الصامتة التي تستهدف العقول والكوادر العلمية والعسكرية المؤثرة وحرب الوكلاء التي تضمن بقاء الجبهات مشتعلة في لبنان واليمن والعراق بالنيابة عن المركزين في طهران وتل أبيب، وهذا التغيير في شكل الأدوات هو ما يجعل المواطن العادي والمراقب السياسي يشعر بأن «الواقع غير شكل»، لأن الصراع لم يعد مرتبطاً بحدود جغرافية تقليدية يمكن رسمها أو التفاوض عليها انما هو صراع وجودي عميق يرتكز على السيادة التكنولوجية والنفوذ الجيوسياسي المطلق، فإسرائيل ما زالت ترى في المشروع النووي الإيراني وتمددها الإقليمي تهديداً وجودياً وخطاً أحمر لا يمكن لأي هدنة سياسية أن تمحوه من عقيدتها الأمنية، وفي المقابل تعد إيران أن وجودها العسكري ونفوذها في دول الطوق هو درعها الحيوي وسلاحها الاستراتيجي الذي لا يمكن التنازل عنه تحت وطأة أي ضغوط أو تفاهمات مؤقتة.
هذا التناقض الجذري في الرؤى والأهداف يجعل من أي اتفاق لوقف إطلاق النار مجرد «حبر على ورق» في المنظور البعيد بينما تتحرك الغواصات في أعماق البحار وتجوب المسيرُّات المتطورة الأجواء لتثبيت موازين قوى جديدة وفرض واقع أمني يصعب التراجع عنه، وتكمن الخطورة الحقيقية في هذه «الهدنة الوهمية» في كونها تمنح الأطراف المتصارعة الوقت الكافي واللازم لتطوير أجيال جديدة من الأسلحة الأكثر فتكاً والأكثر دقة، فبدلاً من استثمار الهدوء لنزع فتيل الأزمة يتم استغلاله في تطوير أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة وتكديس الترسانات الصاروخية التي تستطيع تجاوز القباب الحديدية والمنظومات الاعتراضية فضلاً عن جس نبض القوى الدولية الكبرى مثل واشنطن وموسكو لضمان غطاء سياسي أو دعم عسكري لوجستي في الجولة القادمة التي يراها الجميع حتمية.
 إننا اليوم أمام مشهد مخادع حيث يتم تسويق السكينة للرأي العام بينما تزداد حدة التحريض في الغرف المغلقة وتستمر المخابرات في حياكة سيناريوهات الاختراق والضربات الاستباقية مما يجعل مفهوم «التهدئة» مجرد استراحة محارب قصيرة يتم خلالها تزييت الآلات الحربية لا أكثر.
وعند الغوص أكثر في تفاصيل هذا المشهد نجد أن غياب الثقة المتبادلة قد حول الهدنة إلى «فخ» يحاول كل طرف استدراج الآخر إليه، فإسرائيل تستغل الهدوء النسبي لملاحقة ما تصفه بـ «الأهداف النوعية»، بينما تستغل إيران هذا الوقت لتعزيز تماسك شبكة حلفائها وتزويدهم بتقنيات عسكرية تعيد التوازن للميدان.. هذا الواقع الجديد يتطلب وعياً يكون الأدوات الدبلوماسية الحالية قد وصلت إلى طريق مسدود طالما أنها لا تعالج جذور الصراع الحقيقية بل تكتفي بقص أطرافه الظاهرة، فالهدنة التقنية التي نشهدها الآن لا تمنع سقوط الضحايا في العمليات الأمنية الخاصة، ولا توقف استنزاف الموارد الاقتصادية الهائلة الموجهة نحو التسلح بل هي مجرد تأجيل للمواجهة الكبرى التي ينتظرها الجميع بقدَر من القلق والترقب.
يجب التأكيد على أن ما يمر به الصراع الإيراني الإسرائيلي حالياً هو تغيير في الهوية القتالية وليس رغبة في إنهاء العداء، فالواقع الذي نلمسه يقول إن الجبهات التي تبدو ساكنة هي في الحقيقة تعج بالنشاط الاستخباري والعسكري بعيداً عن كاميرات الإعلام والهدوء الذي يلف الحدود هو هدوء يسبق العاصفة وليس هدوء الاستقرار.
إننا نعيش في عصر «الحروب الهجينة» التي لا تبدأ بإعلان رسمي ولا تنتهي بتوقيع معاهدة، إنما هي حالة مستمرة من النزاع المتطور الذي يغير جلده مع كل تغير في التكنولوجيا والسياسة الدولية، ولذلك فإن الحكم على نجاح أي  هدنة  أو تهدئة لا ينبغي أن يعتمد على صمت المدافع فحسب، إنما على مدى توقف آلات التخطيط والتحريض والتدخلات التي تجعل من انفجار الوضع مجرد مسألة وقت.
إن الحرب لم تضع أوزارها بل أصبحت صامتة وأكثر دهاءً وأشد خطورة، لأنها باتت تستهدف كينونة المجتمعات واستقرارها النفسي والاقتصادي قبل أن تستهدف معسكراتها العسكرية، وهو ما يجعل الواقع غير الشكل تماماً الذي تروجه العناوين العريضة في نشرات الأخبار.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير