
يمثل الفنان إياد الطائي واحداً من أبرز الوجوه الفنية التي أسهمت في ترسيخ حضور الدراما والمسرح العراقي خلال العقود الماضية، إذ امتد عطاؤه من سبعينيات القرن الماضي حتى السنوات الأخيرة، متكئاً على موهبة فطرية صقلتها التجربة والدراسة والعمل المتواصل. لم يكن الطائي مجرد ممثل يؤدي أدواراً، بل كان حالة فنية متكاملة، جمعت بين الحس المسرحي العميق والخبرة التلفزيونية الواسعة، ما جعله يحجز مكانة مميزة في ذاكرة الجمهور العراقي.
البدايات الأولى… من المسرح المدرسي إلى الحلم الكبير
انطلقت شرارة الفن لدى إياد الطائي مبكراً، حين كان تلميذاً في المرحلة الابتدائية، حيث وجد في النشاطات المدرسية متنفساً لموهبته. لم تكن تلك البدايات عابرة، بل كانت مفعمة بالحيوية والتجريب، فقد شارك في فرقة الإنشاد المدرسي، وأظهر ميولاً واضحة نحو الرسم والأعمال اليدوية، ما يعكس تكويناً فنياً متعدد الجوانب.
في منتصف السبعينيات، وتحديداً عام 1975، وقف لأول مرة على خشبة المسرح المدرسي، وهي لحظة يمكن اعتبارها نقطة التحول الأولى في حياته. هناك، بدأ الشغف يتحول إلى وعي فني، مدفوعاً بتشجيع أساتذته، الذين أدركوا مبكراً موهبته وقدرته على الأداء.
البيئة الاجتماعية وتأثيرها في تشكيل الشخصية الفنية
نشأ الطائي في بغداد، بين منطقتي الشيخ علي والرحمانية في جانب الكرخ، قبل أن تتشكل ملامح حياته بشكل أعمق في منطقة البياع. تلك البيئة، التي ضمت فنانين ورياضيين، أسهمت في تكوين وعيه الثقافي والفني.
كانت العائلة أيضاً جزءاً من هذا التكوين، فوالده كان مولعاً بالسينما، فيما كانت والدته تستمع إلى المقام العراقي، ما خلق مناخاً فنياً داخل المنزل. هذا التداخل بين البيئة الشعبية والثقافة الفنية منح الطائي حساً إنسانياً واضحاً انعكس لاحقاً في أدواره.
مرحلة الشباب… بين الرياضة والقيود الاجتماعية
في المرحلة الإعدادية، تراجعت النشاطات الفنية نسبياً لصالح الأنشطة الرياضية، كما فرضت ظروف الحرب العراقية الإيرانية واقعاً مختلفاً، قلّص من فرص التعبير الفني.
ومع ذلك، لم تختفِ الروح الإبداعية، فقد كان الطائي يميل إلى تقليد الشخصيات والأصوات، وهي مهارة ساعدته لاحقاً في بناء أدواته كممثل. هذه المرحلة، رغم محدوديتها فنياً، أسهمت في تعزيز شخصيته وصقل حسه الواقعي.
التحول الكبير… مهرجان الشباب والانطلاقة الحقيقية
شكل عام 1990 محطة مفصلية في مسيرة الطائي، حين تلقى دعوة من المخرج عماد محمد للمشاركة في مهرجان الشباب الأول. هناك، قدم عملاً بعنوان “ارفعوا القبعات”، والذي كان بوابته الحقيقية نحو الاحتراف.
حصوله على جائزة أفضل ممثل في هذا العمل لم يكن مجرد تكريم، بل كان اعترافاً مبكراً بموهبته، ودافعاً للاستمرار. هذه اللحظة يمكن اعتبارها الانطلاقة الفعلية التي نقلته من الهواية إلى الاحتراف.
منتدى المسرح… المدرسة الحقيقية للفنان
بعد نجاحه في مهرجان الشباب، انخرط الطائي في منتدى المسرح، الذي كان بمثابة مدرسة فنية متكاملة. شارك في عدة مهرجانات، واحتك بعدد كبير من المخرجين والفنانين، ما أتاح له تطوير أدواته الفنية.
تميّزت هذه المرحلة بالتنوع والتجريب، حيث قدم أعمالاً مختلفة، وأسهمت في تعميق علاقته بالمسرح، الذي ظل يمثل بالنسبة له الأساس الحقيقي للفن.
الفرقة القومية… الاعتراف المؤسسي بالموهبة
في منتصف التسعينيات، وبعد تقديمه عرض الليلة الموعودة تم اختياره للانضمام إلى الفرقة القومية للتمثيل. هذا الاختيار لم يكن عشوائياً، بل جاء نتيجة تميزه الواضح على خشبة المسرح.
الدعم الذي تلقاه من شخصيات فنية بارزة، مثل يوسف العاني ومحسن العزاوي، كان له أثر كبير في تثبيت خطواته داخل المؤسسة المسرحية الرسمية. وهنا، بدأ الطائي مرحلة جديدة من الاحتراف المؤسسي.
المسيرة التلفزيونية… حضور متواصل وتنوع في الأدوار
لم يقتصر نشاط الطائي على المسرح، بل امتد بقوة إلى الدراما التلفزيونية، حيث شارك في عشرات الأعمال التي تنوعت بين التاريخي والاجتماعي والدرامي.
من أبرز هذه الأعمال “وكر الذيب”، “قصة حي بغدادي”، “علي الوردي”، والبقاء على قيد العراق”. وقد تميزت أدواره بالعمق والواقعية، ما جعله قادراً على تجسيد شخصيات مختلفة، من الشيخ إلى الضابط إلى المثقف.
هذا التنوع يعكس مرونة أدائه وقدرته على التكيف مع مختلف النصوص.
مسلسل “حيرة… ذروة النضج الفني
يعد مسلسل حيرة من أبرز المحطات في مسيرة الطائي، حيث قدم فيه شخصية “عدنان نعمان”، التي لاقت صدى واسعاً لدى الجمهور.
تميز العمل بطوله وتفاصيله، إذ قيل إنه وصل إلى نحو 170 حلقة، ما تطلب جهداً استثنائياً من فريق العمل. وقد استطاع الطائي أن يحافظ على تماسك الشخصية طوال هذا الامتداد، وهو ما يعكس خبرته ونضجه الفني.
هذا الدور يمكن اعتباره من أهم إنجازاته، لما حمله من عمق إنساني وتأثير جماهيري.
المسرح… الجذور التي لم يغادرها
رغم نجاحه التلفزيوني، ظل المسرح جزءاً أساسياً من هوية الطائي الفنية. شارك في عدد من الأعمال المسرحية المهمة مثل “خيانة، كأس، وكلكامش ، إضافة إلى أعمال أخرى حملت طابعاً فكرياً وإنسانياً.
في المسرح، كان الطائي أكثر تحرراً، وأكثر قدرة على التعبير، وهو ما جعله يعتبره المدرسة الحقيقية للفنان.
*السينما… حضور محدود لكن مؤثر
شارك الطائي في عدد من الأعمال السينمائية، منها آخر حلم ، إلى بغداد ، و وتر .
ورغم أن حضوره السينمائي كان أقل مقارنة بالمسرح والتلفزيون، إلا أنه ترك بصمة واضحة، مؤكداً قدرته على التكيف مع مختلف وسائط التعبير.
الرؤية الفنية… نقد الواقع والدعوة للتجديد
كان للطائي موقف واضح من واقع الدراما العراقية، حيث دعا إلى ضرورة الابتعاد عن التكرار والبحث عن أفكار جديدة.
يرى أن الدراما يجب أن تقدم بديلاً عن الواقع القاسي، وأن تسهم في نشر ثقافة التسامح. كما أكد على أهمية التسويق للأعمال العراقية، من أجل إيصالها إلى الجمهور العربي والعالمي.
هذه الرؤية تعكس وعياً نقدياً يتجاوز حدود الأداء إلى التفكير في صناعة الدراما ككل.
التكريم والاحتفاء… تقدير المسيرة الفنية
حظي الطائي بعدد من التكريمات، من بينها احتفاء الملتقى الإذاعي والتلفزيوني، الذي اعتبره فرصة لتوثيق تجربته والحديث عن مسيرته. مثل هذه الاحتفاءات تمثل اعترافاً بقيمة الفنان، وتسهم في حفظ ذاكرته الفنية، خاصة في ظل التحديات التي يواجهها الفنانون في العراق.
الإنسان خلف الفنان… بساطة الطموح وعمق الانتماء
رغم مسيرته الطويلة، ظل الطائي بسيطاً في طموحاته، إذ كان يتمنى الخير لبلده، ويأمل في ازدهار العراق.
هذا البعد الإنساني يضيف إلى صورته كفنان، ويجعل منه شخصية قريبة من الجمهور، لا مجرد نجم بعيد.
خاتمة
إن تجربة إياد الطائي تمثل نموذجاً للفنان الذي بدأ من الصفر، واعتمد على موهبته وجهده ليصل إلى مكانة مميزة في الوسط الفني.
بين المسرح والتلفزيون، وبين البدايات المتواضعة والنجاحات الكبيرة، رسم الطائي مسيرة غنية تستحق التوقف عندها.
ورغم رحيله، يبقى أثره حاضراً في ذاكرة الفن العراقي، شاهداً على مرحلة مهمة من تطور الدراما والمسرح، ودليلاً على أن الإبداع الحقيقي لا يزول.