
في العراق، وبعد مرور قرن تقريبا على حراك جماهيري كان يهدف الى بناء “دولة” على أسس “وطنية”، وأقصد بذلك ثورة العشرين، فإن الآباء المؤسسين لما صار لاحقا العراق بأنظمته السياسية الملكية والجمهورية أضاعوا مفهوم الدولة عندما إختلفوا على الوطن. أول من عانى من هذه الإشكالية بين “الدولة ـ الشعب” أو “الدولة ـ الوطن”، وبعد نحو عقد تقريبا من تنصيبه ملكا، مؤسس الدولة المستورد من الخارج فيصل الأول. ففي مذكراته، وقبيل سنة تقريبا من وفاته، نفى وجود “شعب في العراق”، قائلا بالنص”لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية، خالية من أي فكرة وطنية”. قيل الكثير فيما بعد، ولا يزال، عن رؤية الملك الذي جاء به قادة ثورة العشرين من الحجاز الى العراق في مفارقة تحصل ربما للمرة الأولى في تاريخ الشعوب. العراقيون تعاملوا بنوع من المفارقة مع نجله الملك غازي الذي قتل بحادث سيارة لا يزال محاطا بالشكوك, ثم قتلوا حفيده الملك فيصل الثاني صبيحة 14 تموز عام 1958 التي أنهت حقبة الملكية في العراق. المفارقة اللافتة ان كلا النظامين “الملكي والجمهوري” لم يأتيا عبر إستفتاء جماهيري بل عبر ثورات وإنقلابات. ثورة العشرين اندلعت ضد بريطانيا التي نكثت بوعودها ولم تستكمل بناء الدولة على أسس وطنية قادرة على إستيعاب المتناقضات والثغرات التي بقيت مفتوحة مع تغير الأنظمة والعهود. الكثيرون يتغنون بلاشك بالحقبة الملكية, لكن أسباب “التغني” لم تدرس دراسة منهجية سليمة بل بقيت محكومة بالعواطف الى حد كبير. فالنظام الملكي كان إقطاعيا رأسماليا تنتهي الخدمات التي يقدمها للناس “ماء وكهرباء” عند تخوم المدن الكبرى فقط، بينما يعيش أبناء الريف خارج العصر تماما. الحقبة التي تلت، أي فترة الإنقلابات العسكرية (عشر سنوات فقط من 1958 ـ 1968)، فإن الإنقلاب الوحيد الذي إستمر لنحو ثلاثة عقود من الزمن هو إنقلاب البعث عام 1968 الذي كانت نهايته إحتلال العراق عام 2003. المفارقة الأخرى الأكثر لفتا أن العراقيين فرحوا بإسقاط نظام صدام حسين لكنهم عدوا أن ما قامت به الولايات المتحدة الأميركية هو إحتلال للعراق. لكن أي عراق؟ الدولة؟ أم الوطنية العراقية التي تحولت الى مجموعة هويات عرقية، دينية، مذهبية قاتلة، حسب توصيف أمين معلوف.
الآن، وبعد 23 سنة بعد سقوط النظام السابق، لم تتبلور فكرة وطنية جامعة لكل العراقيين. الذي ينوب عن الدولة التي لاتزال مفقودة هي “العملية السياسية” التي لم تنجب سوى المحاصصة والتوافقية وتناسل الزعماء وتيجان الرؤوس. للأسف لم يعد يجمع العراقيين بالوطنية سوى قوائم الكهرباء المسماة وطنية، وفوز المنتخب “الوطني” ولو كل 25 أو 30 سنة. الخلاف سوف يستمر ضبابيا حول مفهوم الوطنية والدولة التي يفترض أن تكون نتاج لها. لماذا ؟ لعدم وجود إرادة لدى الطبقة السياسية التي تحكم وتتحكم بالقدرات والموارد والطاقات. ففي المحصلة كل شيء لدينا مستورد .. الملك، النشيد الوطني، السلام الجمهوري، مزدوجي الجنسية والولاء، وأخيرا .. الكرفس والباذنجان.