
في أزمنة الحروب، لا بكون الضحية الأولى الإنسان وحده، بل الحقيقة أيضاً. ذلك أن الحروب الحديثة لم تعد تُخاض بالسلاح وحده، بل بالصورة، والعنوان، والتغريدة، والمقطع المفبرك، حتى غدا المتلقي العادي في حيرة بين روايات متناقضة، لا يدري أيها يصدق، وأيها يدخل في باب الحرب النفسية.
وقد قدمت الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، مثالاً صارخاً على هذه الأزمة. فمنذ الضربات الأولى، انقسمت الروايات الإعلامية انقساماً حاداً، فبينما كان الإعلام الأمريكي يتحدث عن نجاح العمليات الدقيقة وتحقيق الأهداف العسكرية، كانت المصادر الإيرانية تعلن أن كثيراً من تلك الضربات لم تصب أهدافها المعلنة، وأن ما جرى تضخيم إعلامي مقصود. وبين الطرفين، كانت المنصات الرقمية تمتلئ بمقاطع غير موثقة، بعضها تبين لاحقاً أنه قديم أو مولّد بالذكاء الاصطناعي. وقد حذرت تقارير حديثة من تصاعد استخدام محتوى مزيف مدعوم بالذكاء الاصطناعي للتأثير في الرأي العام أثناء هذه الحرب.
كما شاهدنا كيف انتشرت خلال ساعات أخبار عن اغتيال شخصيات، وتدمير منشآت، وإسقاط طائرات، ثم اتضح لاحقاً أن بعضها لم يكن صحيحاً. وفي المقابل، جرى تداول مقاطع تزعم إصابة أهداف عسكرية حساسة، ثم ثبت أن بعضها مركب رقمياً. وتكشف هذه الفوضى الإعلامية أن أزمة الثقة بالأخبار لم تعد مجرد مشكلة مهنية تخص الصحافة، بل أصبحت أزمة وعي عام، فالقارئ اليوم لا يشك في الخبر الكاذب فقط، بل يشك كذلك في الخبر الصحيح، لأن البيئة الإعلامية نفسها فقدت مرجعيتها الموحدة. ولم تعد المؤسسات الصحفية الكبرى بمنأى عن التشكيك، بعدما دخلت الحكومات والجيوش والمنصات الاجتماعية في سباق لصناعة السرديات المتنافسة. ولعل أخطر ما في الأمر أن سرعة النشر صارت تتقدم على التحقق. فالسبق الصحفي، الذي كان فضيلة مهنية، تحول أحياناً إلى لعنة تدفع وسائل الإعلام إلى بث أخبار غير مكتملة، ثم تصحيحها لاحقاً بعد أن يكون أثرها النفسي والسياسي قد تحقق. وهكذا يصبح التكذيب لاحقاً أقل أثراً من الكذبة الأولى، كما تغيرت وظيفة الصورة التي كانت دليلاً على وقوع الحدث، فصارت نفسها موضع شك، بعد أن أصبح بالإمكان تصنيع مشاهد كاملة لا أصل لها عبر تقنيات التزييف العميق. وهذا ما يضع الصحافة أمام تحدٍ وجودي لاستعادة سلطتها المعرفية في زمن يمكن فيه اصطناع الواقع رقمياً.
إن أخطر ما في الحروب المعاصرة ليس فقط عدد الصواريخ، بل عدد الروايات المتضاربة التي تُطلق بالتزامن معها. وحين يفقد الناس ثقتهم بالإعلام، فإنهم لا يخسرون مصدراً للمعلومة فحسب، بل يخسرون معها القدرة على تكوين موقف أخلاقي وسياسي سليم. وحين تصبح الحقيقة نسبية إلى هذا الحد، تفتح الباب أمام الفوضى، وتمنح التضليل فرصة أن يتنكر في هيئة خبر عاجل.