رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
مسلسل “حمدية ” معالجة درامية تكشف الوقائع المزيفة إبان الإقصاء والظلم والتفرقة


المشاهدات 1121
تاريخ الإضافة 2026/04/08 - 10:15 PM
آخر تحديث 2026/04/09 - 12:53 PM

لم يعد من المستغرب أن يثير أي مسلسل يعرض ضمن الموسم الرمضاني الماضي الانتقادات التي تصل إلى المطالبة بإيقافه تحت لافتة تتكرر كل عام وهي «الإساءة للمجتمع»، وكأن المسلسلات العراقية تقدم واقعاً مغايراً من خيال كتاب الدراما فحسب، وأن المجتمع يخلو من الأخطاء ومحصن ضد الفساد والقتل والسرقة.
في العراق، غالباً ما تجابه المسلسلات التي تعرض ضمن الموسم الرمضاني باعتراضات واحتجاجات ومطالبات بإيقاف عرضها، وقد لا تقف الاعتراضات عند حد الكلام، بل تصل أحياناً إلى هجوم من قبل جماعات على قنوات منتجة للمسلسل أو تقدم عملاً درامياً يراه بعضهم مسيئاً لقيم المجتمع، وهو ما حدث مع مسلسل «حمدية» الذي عرض على قناة «mbc عراق». وهذه الحادثة ليست الأولى، بل هي متكررة مع كل موسم كما حدث سابقاً مع مسلسل «الكاسر»، فقد تكاتفت ضده العشائر مع الأحزاب بدعوى إساءته إليها، وبالفعل توقف عرضه. أما مسلسل «عالم الست وهيبة» فهو الآخر لم يسلم من الهجوم والمطالبة بالإيقاف بعدما قدم شخصية «مهيدي» أو «مهدي أبو صالح» الشاب المنتمي إلى إحدى العصابات، وقد أثارت هذه الشخصية حفيظة بعض الأطراف بذريعة أن اسم الشخصية «مهدي» يسيء إلى الإمام الـ 12 (الغائب) لدى الطائفة الشيعية الإمامية.
ومسلسل حمدية هو عمل درامي عراقي والعمل مأخوذ عن رواية بنفس الاسم للكاتب قدوري الدوري وهو ملاحق قضائيا بسبب تشجيعه او انتمائه لعصابات التكفير والقتل (ويعيش في تركيا) مع عنوان فرعي هو «النصف الأول من مأساة امرأة عراقية» ومن سيناريو وحوار نور البدري، وإخراج بيير قلام، وبطولة أميمة جواد الشكرجي، رويدا شاهين، ريام الجزائري، علي جابر، جواد الشكرجي، مهند ستار، وأميرة جواد. من ، وإخراج السوري بيير قلام .
المسلسل بمعالجته الجدية بعد ان ازاحت الجهة المنتجة عن مساره الدرامي كل ما يمس الصراعات الطائفية او التذكير ومن ثم العودة اليها (وهذا ذكاء يحسب لها) يشكل محوره الدرامي بالتعاطف مع النساء وإبراز ما يتعرضن له من مآس في حياتهن الاجتماعية السمة الأبرز في المسلسل العراقي «حمدية» الذي نافس في سباق موسم رمضان 2026، من خلال حبكة درامية تقوم على الدموع ومفارقات الحظ العاثر الذي تجد الشخصية الرئيسية نفسها متورطة فيها.
وتدور الأحداث حول فتاة تتوفى والدتها التي كانت بمثابة مصدر الحنان والأمان في حياتها، لتجد أن عليها مواجهة قسوة غير مبررة من جانب امرأة بديلة يتزوجها والدها لاحقًا، حيث تتعرض على يديها إلى عمليات تعذيب نفسية وجسمانية متوالية، وسط صمت وسلبية الأب.
وتتشكل مفردات حياة الفتاة من الحرمان والأسى والحزن في متوالية تكاد لا تنتهي من الأزمات المتعددة، حتى تكبر ويخفق قلبها بالحب فتكاد تطير من السعادة، ظنًّا أنها وجدت ضالتها المنشودة من خلال فارس خيالها الذي سينتشلها مما هي فيه.
وتستيقظ البطلة من الأوهام على واقع مرير، فحبيبها ( سعدي ) هو عنصر إضافي من عناصر القسوة والخوف في حياتها ويعاملها بجفاء وتفتقد معه الحد الأدنى من الحنو والإنسانية، فضلًا عن وقوعها في أخطاء فادحة تخصم من بقايا رصيدها المتآكل من الأمان وتُوقعها في أنواع أكثر حدة من الأزمات.
ويتميز المسلسل بأسلوب مؤثر إنسانيًّا من خلال الاعتماد على صوت البطلة في سرد الأحداث وهي تنقل تجربتها الشخصية وتفاصيل معاناتها؛ ما يفتح أمام المتفرج نافذة مباشرة تطل على مشاعرها الداخلية وبوحها الأليم. 
المسلسل كما قلنا ينتمي إلى عالم الدراما الاجتماعية، حيث تدور أحداثه حول فتاة ريفية تعيش في مدينة جنوبية دون تحديد هوية المكان لكن اللهجة تكشف وتوحي للدلالة الى المكان ، الفتاة اسمها حمدية تموت امها لتتركها مع أخيها الصغير كريم تحت سطوة زوجة الأب، ثم تنتقل هي واخوها من قريتها إلى الكاظمية بقرار من زوجة ابيها للعيش مع خالها وزوجته الذين لم يرزقا بمولود فيكونان كولدين لهما. تواجه .
يعمل الخال عامل بناء والزوجة خادمة في البيوت وهي امرأة أمينة وكادحة، ومن خلال الخدمة في أحد بيوت الكاظمية الذي يعرف ببيت رضا ابي سعدي، تغرم الشابة بحب سعدي وتكتشف زوجة خالها العلاقة فتحبسها في البيت، لكن بعد الزيارات المكررة لسعدي الى بيت خالها خلسة تحصل علاقة غير شرعية بين حمدية وسعدي والنتيجة تحمل حمدية بطفل غير شرعي، ثم تهرب من بيت خالها وتلتجئ لبيت ابي سعدي وتصرخ ان الذي في بطنها ابن ولدهم سعدي ، ويحجزنها في دارهما خوفا من الفضيحة، ثم يضطران بنقلها إلى بيت جده (ابو رضا) في الشواكة فتعيش معهم شهورا عدة ويبلغانها بأنهم سينضمان لهما زواجا شرعيا، وكان جد سعدي الرجل العراقي الأصيل تربطه علاقات طيبة بجيرانه يبلغ حمدية بأنه سينضم لها وزوجها سعدي زواجا شرعيا وإن إجراءات الزواج ستكون بعد الولادة، ولما يضربها الطلق يقوم سعدي وجدته وجده بنقلها للمستشفى وتلد بنتا ، يختفي سعدي ومن معه فجأة  بعد قرار الحكومة تسفيرهما كونهما من أصول ايرانية فيقرر النظام البعثي العنصري تسفير معظمهم ظلما الى ايران حيث ان جزءا من العائلة  أصلا مسفرين والباقي ينتظر التسفير.
تعود حمدية مع الطفلة التي كادت ان تلقيها بدجلة بعد ان فقد الامل الى الشواكة وتطرق باب ابي عثمان جار ابي رضا والصديق المقرب، فتصدم ان العائلة قد سفرت ومعهم سعدي، فتبقى في هذا البيت عدة ايام حتى يقوم الجار ابو عثمان بإعطائها عشرة دنانير، ويقول لها غادري البيت لأن ولدي ضابط ولا اريد ان يتضرر،  فتخرج إلى صحن الإمام الكاظم (عليه السلام)ومعها بنتها ذات الثلاث اسابيع فتتعرف بامرأة اسمها ام محمد، ورب العائلة ضابط كبير في الداخلية (ابو محمد)، وتطلب منها ان تعيش معهم وتخدمهم في البيت فتذهب معهم إلى تكريت.
ومع مرور السنوات، تبدأ حياة حمدية في التحسن عندما يجد الحب طريقه إلى قلبها، إلا أن هذا الحب لا يقودها إلى الأمان، بل يفتح أمامها أبوابًا من الأخطاء والآلام، ثم تقوم عائلة ابو محمد بإيواء حمدية وبعد التدقيق معها وعن أصولها من ابو محمد كونه ضابطا ويتصف بأنه انسان رائع وعائلة محترمة ومثقفة ، تذهب فيما بعد عائلة ابو محمد الى بيت أقاربهم فيتعرف عليها اقارب ابو محمد وهو فيطلب بالزواج منها .. وتستقر أمور حمدية وتعيش بالسعادة خاصة بعد ان تجد شقيقها كريم الذي يقنع خاله وزوجته بزيارتها والعفو عما مضى في مسلسل ممتع .
نهاية مسلسل حمدية .. هي البداية لحمامه.. الطفلة التي ضاعت طفولتها بين القسوة والجهل بين الحنان والاحتضان غير المرضي لها ولحُلمها الطفولي وطموحها المستقبلي ..حمدية هي ضحية للسلطة القاسية والمجتمع الصعب.. حتى وقعت في الخطيئة .. فعوقبت هي وجلادها في محكمة أبو رضا وأم رضا .. أبو رضا هو الحكيم ..والمُربي .. وهو الذي عَشق أرضه (العراق)، وما كان عليه إلا أن يَحسِم الامر ليبقى نسلَهُ في عراقٍ أحبهُ وعشِقهُ بعد ان ولدَ فيه.
لقد اظهر مسلسل « حمدية» الكثير من تفاصيل الحياة التي عاشها العراقيون في تلك الحقبة والتي ربما لم يطلع عليها او يحس بها جيل عمره الآن ٤٠ عاما كالتسفيرات وقلق حرب الـ ٨ سنوات وتكاتف الجيران وطيبة الناس ومساعدة بعضهم البعض وتحمل المسؤولية وترابط الاسرة وتفاصيل اخرى وعدم وجود طائفية حيث السني جار للشيعي ومتعاون ومتعاطف معه.
قد أجد ان هناك من يرى أن قضية المعالجة الدرامية للمسلسل غير مستقلة كونه مأخوذا عن رواية مرتبكة مشحونة بأفكار غريبة عن المجتمع العراقي، كما انني راهنت على وعي وإدراك هيئة الإنتاج من المخاطر الفكرية ووعي كاتبة السيناريو لأنها نقحت وشذبت القصة التي اختلفت عن المسلسل وجعلتا وبصراحة قصة طبيعية قد تكون مشابهة لكثير من القصص في مجتمعنا، والفضل يعود إليها من افرغتها من الإشارات الطائفية المقيتة التي أطلت علينا بين ثنايا وزوايا القصة الأصلية، إذ بات الشعور الوطني يتحكم فـي توجيه الفن والأخلاق معًا، مثلما صار اجتهاد الممثل على الشخصية التي سيلعبها يحتكم هو الآخر إلى المال نفسه! فـيغيب الإبداع ويتوارى وراء الشمس، ليشاهد المتفرج شخصيات متفهمة بوعي فـي بنيتها الدرامية، ومتمسكة ثقافـيا. وهذا يشير بوضوح كبير إلى تبعية عناصر العمل الدرامي كله إلى هيمنة الوطن عليها. 
إن جوهر الواقع الاجتماعي يتطلّب أن يصف السيناريو المجتمع «بكل فصائله وفئاته، بكل جوانبه الرفـيعة والوضيعة، بتشابك مبادئه وتعقيدها، بمتطلباته واحتياجاته وتناقضاته»، لا الوقوف عند المتناقض وتهييج الغرائز والسخرية من عالم البسطاء والطاهرين.
مسلسل حمديه تابعته حلقة بحلقة، ووجدت ان لا علاقة له بالاتهامات التي سيقت عرضه والتي اتهموه بالعنصرية والطائفية والإباحية ولم أجد اي شيء من هذه الاتهامات، بالعكس فهو عمل جميل ومحترم وعبر عن واقع حال تعيشه الاسر الفقيرة ، لكن الشيء الذي اختلف بينه وبين صناع هذا العمل هي النهاية، نهاية العمل جاءت انشائية، واعتمدت على الصدفة (فلم هندي ) ليس لها علاقة بالدراما، ومن الممكن أن تكون نهاية لرواية او مسلسل اذاعي او مسرحية من فصل واحد لكن دراما وتلفزيونية مملة وليس لها بالدراما ربما مال الى الارشاد الأخلاقي والاجتماعي.. انتهى مسلسل حمدية على ما هو متوقع، وبقيت في أذهان المتابعين أسئلة كثيرة، وفي ذهني أيضا اسئلة بعد أن أحدث ضجة كان وراؤها ما وراءها . لكنها اتت ثمارًا غير الثمار التي كانوا يرجون، فحقق نجاحا ساحقا لم يحققه مسلسل اخر رغم العثرات والثغرات، لكننا يجب ألا نغمط الممثلين حقهم، فقد ابدعت الفنانة رويدة شاهين وتألقت في أداء دورها، وكذلك أميمة والفنان الكبير والقدير الفنان الكبير جواد الشكرجي، والقديرة الفنانة أميرة جواد (ام رضا)، وبقية الممثلين.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير