رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
سلطة الشاشة وفوضى المنصات


المشاهدات 1150
تاريخ الإضافة 2026/04/05 - 8:59 PM
آخر تحديث 2026/04/06 - 7:32 AM

في زمن لم تعد فيه الصورة مجرد انعكاس للواقع، بل صارت واقعاً بديلاً يعاد تشكيله كل لحظة، يأتي انعقاد الملتقى الأول لمؤسسة أناة للإعلام والتنمية المستدامة تحت عنوان « الجمال والذوق العام: اختلالات العرض والتلقي من المؤسسات الإعلامية إلى المنصات»، بوصفه محاولة جادة لطرح سؤال طال تأجيله، كيف تراجع الحس الجمالي في خطابنا الإعلامي؟ ومن المسؤول عن هذا الاختلال المركب؟. 
إن الحديث عن الذوق العام لم يعد ترفاً فكرياً، ولا حنيناً إلى زمن مضى، بل أصبح ضرورة ثقافية وأخلاقية في مواجهة سيل من المحتوى الذي يغلب عليه الاستسهال، والابتذال أحياناً، تحت ذريعة الجمهور يريد هذا. وهنا تحديداً تبدأ المشكلة، فالإعلام، في أحد أدواره الأساسية، لا يكتفي بأن يعكس أذواق الناس، بل يسهم في تشكيلها وتوجيهها. وعندما يتخلى عن هذا الدور، يترك الفراغ لمنصات لا تحكمها معايير، ولا تضبطها مسؤولية. كما أن اختلال العلاقة بين العرض والتلقي لم يعد خفياً. فالمؤسسات الإعلامية التي كانت، حتى وقت قريب، حارسة للمعايير المهنية والجمالية، وجدت نفسها في سباق محموم مع المنصات الرقمية التي تُكافئ الأكثر إثارة لا الأكثر قيمة، والأسرع انتشاراً لا الأعمق تأثيراً. وهكذا، بدأنا نشهد انزياحاً تدريجياً من جمال الفكرة إلى إغراء الصورة، ومن رصانة الكلمة إلى ضجيج العنوان. لكن هل يتحمل الإعلام وحده مسؤولية هذا التدهور؟ الواقع أن الأمر يبدو أكثر تعقيداً، فالمتلقي نفسه أصبح شريكاً في صناعة هذا المشهد. خوارزميات المنصات لا تبتكر أذواقاً من العدم، بل تعيد تدوير ما نمنحه نحن من اهتمام. فكل نقرة، وكل مشاركة، وكل إعجاب، هي تصويت ضمني على نوع المحتوى الذي نريده أن يستمر. وهنا يتحول الذوق العام من مفهوم نظري إلى ممارسة يومية، تتراكم آثارها بصمت، غير أن استعادة التوازن ممكنة، لكنها تحتاج إلى وعي تراكمي، وإرادة مؤسسية، وثقافة نقدية لا تكتفي بالرفض، بل تقترح البدائل. فبدلاً من الاكتفاء بإدانة المحتوى الهابط، ينبغي دعم المحتوى الجيد، وتوفير بيئة تشجع على الإبداع المسؤول، وتعيد الاعتبار للمعايير المهنية والجمالية في آنٍ واحد.
إن مبادرة مؤسسة أناة تأتي في توقيت دقيق، حيث تتسارع التحولات، وتتداخل الأدوار، وتصبح الحاجة ملحة إلى وقفة تأمل ومراجعة، فالجمال ليس رفاهية، بل هو أحد معايير تحضر المجتمعات، والذوق العام ليس شأناً فردياً، بل مسؤولية جماعية تتقاطع فيها السياسة بالثقافة، والإعلام بالتربية. لذلك يمكن القول إن هذا الملتقى ليس مجرد فعالية عابرة، بل دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في ما ننتجه، وما نستهلكه، وما نريد أن نكون عليه. فحين نعيد الاعتبار للجمال، فإننا لا نجمل الواقع فحسب، بل نعيد صياغته على نحو أكثر إنسانية واتزاناً. ولعل البداية الحقيقية تكمن في لحظة وعي صادقة، ندرك فيها أن ما نراه كل يوم هو ما نصنعه نحن، وأن استعادة الذوق العام ليست حلماً بعيد المنال، بل قرارٌ ثقافي يبدأ من الفرد ليصنع ملامح المجتمع بأكمله، ويعيد إليه ذائقته الجمالية السليمة .


تابعنا على
تصميم وتطوير