
الزوراء - بغداد
في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار وتغيب فيه التفاصيل الإنسانية خلف ضجيج اليومي، تبرز نماذج مضيئة تُعيد للروح معناها، وتؤكد أن العطاء ما زال ممكناً، ومن بين هذه النماذج، تقف الإعلامية صفا الخفاجي، التي قدّمت خلال السنوات الماضية تجربة إنسانية تستحق التوقف عندها بإعجاب وتقدير، لما حملته من صدق وإخلاص في رعاية أطفال متلازمة داون، بعيداً عن أي دعم مادي، وقريباً من جوهر الإنسانية.
صفا الخفاجي، الموظفة في وزارة الموارد المائية، والإعلامية في قناة النعيم، والناشطة في منظمة كهرمانة لحقوق المرأة، لم تنظر إلى العمل الإنساني بوصفه نشاطاً عابراً، بل جعلت منه رسالة شخصية، كرّست لها جزءاً من حياتها، إيماناً منها بأن ما تقدمه هو صدقة جارية على روح والدها، وبأن الفرح الذي تمنحه لهؤلاء الأطفال هو أعظم ما يمكن أن يُهدى.
بدأت رحلتها قبل أربع سنوات بمبادرة بسيطة، تمثلت في إقامة مهرجان صغير وتوزيع هدايا رمزية، لكنها سرعان ما تحولت إلى مشروع إنساني متكامل . ففي العام الثاني، توسعت الفعالية لتشمل حضور مطربين، ومشاركة فرقة أطفال، وتنظيم مسابقات أدخلت البهجة والضحكة إلى قلوب المشاركين.
أما في السنة الثالثة، فقد تجاوزت صفا حدود المبادرات التقليدية، وسعت إلى تحقيق حلم طالما راود هؤلاء الأطفال، فاصطحبتهم إلى “ مدينة الحلم “ في شارع فلسطين، حيث عاشوا يوماً استثنائياً مليئاً بالفرح والدهشة، في تجربة تركت أثراً لا يُمحى في ذاكرتهم وذاكرة من رافقهم.
واليوم، ومع وصولها إلى عامها الرابع، وتزامناً مع تخرجها من جامعة التراث – كلية الإعلام، قررت صفا أن يكون تخرجها مختلفاً، بل أن يكون تخرجهم معها. فكرة إنسانية عميقة، تنطلق من إيمانها بأن هؤلاء الأطفال يستحقون أن يعيشوا فرحة التخرج، وأن يرتدوا زي الخريجين، وأن يُكرّموا بشهادات وهدايا، وأن يشعروا بأنهم جزء أصيل من هذا المجتمع، لا على هامشه.
ومن المنتظر أن تحتضن الجامعة يوماً مميزاً لهؤلاء الأطفال، يوماً صُمم بعناية ليليق بقلوبهم النقية، ويمنحهم لحظة فخر واعتزاز، تُضاف إلى سجل ذكرياتهم الجميلة.
إن ما تقوم به صفا الخفاجي لا يمكن اختزاله في فعالية أو مهرجان، بل هو مشروع إنساني متكامل، يرسّخ فكرة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد:
أن الفرح حقٌ للجميع… وأن الإنسانية تُقاس بما نمنحه للآخرين، لا بما نملكه لأنفسنا.