
في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، يتكرر المشهد ذاته بأدوات مختلفة، ليؤكد أن ما يتعرض له العراق ليس صدفة ولا حدثاً عابراً، بل هو امتداد لمشروع عدواني طويل تقوده قوى الهيمنة، يتجدد كلما فشلت رهاناته في ساحات أخرى.
إن العدوان الصهيوأمريكي، المدعوم من بعض الأنظمة الخليجية والأردنية، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق الهزائم التي مُني بها هذا التحالف في مواجهاته مع إيران، وكذلك في لبنان، حيث سقطت أوهام التفوق العسكري أمام صمود قوى المقاومة، وتكشّف عجز هذا المحور عن تحقيق أهدافه الاستراتيجية رغم ما يمتلكه من إمكانيات هائلة.
وأمام هذا الفشل، عاد هذا التحالف الإجرامي ليفتح جبهة جديدة، ظناً منه أن العراق ما زال الحلقة الأضعف، متناسياً أن العراق الذي واجه الإرهاب وانتصر عليه، ليس هو عراق الأمس، وأن شعبه وقواه الأمنية، وفي مقدمتها الحشد الشعبي والجيش العراقي، قد راكمت من الخبرة والوعي ما يجعلها قادرة على التصدي لأي تهديد.
لقد شهد العراق منذ حرب الخليج 1991 حتى عام 2003 أبشع صور العدوان المباشر، تلاه احتلال دمّر مؤسسات الدولة، ثم موجات الإرهاب التي قادتها تنظيمات مثل القاعدة وداعش، والتي أُطلقت بدعم إقليمي ودولي لتفكيك الدولة العراقية وإغراقها في الفوضى. ورغم ذلك، استطاع العراق أن ينهض من تحت الركام، وأن يحقق نصراً تاريخياً على الإرهاب بين 2003 و2018.
واليوم، يعاد السيناريو ذاته، لكن بصيغة أكثر خبثاً، عبر استخدام قواعد عسكرية في بعض دول الخليج والأردن لشن اعتداءات تستهدف السيادة العراقية، دون أي مسوغ قانوني أو غطاء دولي، في انتهاك صارخ لكل الأعراف والقوانين الدولية، وعلى رأسها ميثاق الأمم المتحدة.
إن استمرار هذا العدوان في ظل صمت حكومي يثير الكثير من التساؤلات، ويضع علامات استفهام كبيرة حول الموقف الرسمي المطلوب في لحظة تتطلب وضوحاً وحزماً لا لبس فيهما. فالدفاع عن السيادة ليس خياراً سياسياً، بل واجب وطني لا يحتمل التأجيل.
وعليه، فإن المرحلة الراهنة تفرض على الحكومة العراقية اتخاذ خطوات حاسمة، تبدأ بتقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي، وتفعيل المسارات القانونية والدبلوماسية لفضح هذا العدوان، ومحاسبة الدول المتورطة فيه. كما يتطلب الأمر إعادة النظر في طبيعة العلاقات مع الدول التي تنتهك سيادة العراق، والتعامل معها وفق مبدأ المصالح الوطنية لا المجاملات السياسية.
وفي الإطار الاستراتيجي، لا يمكن للعراق أن يبقى مكشوفاً أمام هذه التحديات، بل يجب العمل على بناء منظومة ردع إقليمي قائمة على التعاون مع قوى دولية صاعدة مثل أيران و روسيا والصين، بما يعزز من توازن القوى ويحد من التفرد الأمريكي في القرار الدولي.
كما أن مراجعة اتفاقية الإطار الاستراتيجي 2011 باتت ضرورة ملحة، في ظل استخدامها كغطاء لتكريس النفوذ الأمريكي داخل العراق، إلى جانب ضرورة السعي لتحرير الأموال العراقية من القيود المفروضة عبر الاحتياطي الفدرالي الأمريكي، والتي تمثل أداة ضغط اقتصادية واضحة.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد اعتداء عابر، بل هو اختبار حقيقي لسيادة العراق وقراره الوطني. فإما أن يكون العراق دولة حرة مستقلة قادرة على حماية أرضها وشعبها، أو أن يبقى ساحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.
والتاريخ لا يرحم المترددين.