
في ظلمة الليل وسكون الاشياء كلها تسللت الى مضجعه، تركت اولادها نياماً وهم يحلمون بجلسة ابوّة حانية مع والدهم، اقتربت منه كثيراً ، همست له برفق مخافة ان يستيقظ، نادته باسمه، ثم بالكلمة التي يذوب بها هياماً: حبيبي حماده ، لم يجبها فقد كان غارقاً في لجة نوم عميق، عميق .. تراجعت خطوة تتلفت حولها في هذا الليل الموحش.. والظلام الحالك، ليس من عاداته ان يغط في النوم هكذا… خمنت، وقالت في سرها: يبدو انه كان متعباً جداً. واردفت : ولكن لابأس ان كنت تسمعني فهذا حسن وان كانت سِنة النوم قد غلبتك فأنا سأتحدث الى نفسي، وانت نفسي ونَفَسي.. واسترسلت تحدثه بألم وعتب وانكسار : لم اسمع منك تهنئة لابنك الكبير مسعود، لقد كسرت خاطره يا رجل، لم تستقبله بالاحضان كعادتك وهو يلوح من بعيد بنتيجة الامتحان ، لم تعطه هديته التي اعتاد عليها. أما مِنّة العليلة فقد نسيت ان تحقنها الليلة ابرة الانسولين يا احمد.. مالك يا حبيبي ؟ .. اعلم انك متعب ، واهن هذه الايام، منذ التحاقك الأخير في جبهة الحرب اللعينة وانت ساهٍ، اهملت نفسك واطلقت لحيتك وانا اكرها ..
قلت لك ذات يوم واكررها :
ذات يوم يا حبيبي ستنتهي هذه الحرب وتعود الى بيتك، ومدرستك التي اكملت فيها دراستك المتوسطة والاعدادية وعدت إليها مدرّساً.. فقط الصبر، الصبر ياحبيبي هو من سيحطم جدران اليأس واللانهاية هذه.. كل الناس يا حمادة تكره الحرب .. كل حرب .. ولكن ما باليد حيلة، فأما الهرب من الجبهة، وإما الهرب من الحياة، كل الحياة، وكلاهما مر …
منذ التحاقه الاخير في جبهة القتال ترك احمد اولاده وزوجته وامه في شغل دائم .. الام قاربت الثمانين وهي تتحرك على كرسيها بصعوبة بالغة، وقد يئست من حال الكبر والعوق، وبُعد الابن الوحيد وبناتها .. وهي تحتاج الى من يرعاها في كل شيء .. من الاستحمام الى الطعام .. الى الذهاب الى سرير النوم .. وما كان لأحد ان يقوم بذلك إلا كَنّتها .. كانت كنّتها ، ومنذ التحق احمد بالجيش هي الطبيب وهي الممرضة وهي مدرّسة الاولاد وامهم .. وهي تدير وتدبر المنزل وتنظفه وهي الطاهي وهي التي تعمل كل شيء .. وفي الليل تتفقد الاولاد وجدتهم قبل ان تخلد الى النوم مرهقة .. وتبدأ رحلة اليوم التالي بنفس الروتين القاتل قبل ان تذهب هي الى عملها .. فقط هذه الليلة قررت ألّا تأوي الى فراشها إلا بعد ان تذهب الى احمد وتكلمه وتعاتبه على غيبته الطويلة، وتشكو له شظف العيش ومصاعب الحياة وتعبها من الحال الصعيب..
كانت في قمة جمالها وحيويتها حينما تخرجت من الكلية .. تقدم لخطبتها شبّان كثيرون.. ولكن قسمتها حسمت مستقبلها الى احمد .. جارهم الفقير الذي ليس له سوى امه المقعدة وبضع شقيقات يكبرنه، وقد تزوجن في مدن اخرى .. ولم تمض على تعيينه سوى ثلاث سنوات حتى اندلعت الحرب، وسيق هو ومئات من اقرانه الى الحرب .. المحرقة.. تغير الولد الطيب.. وهو يرى الموت يحوم حوله كل يوم.. ذات يوم وكان في اجازته الدورية، قال لزوجته بلهجة اليائس المهزوم: يا أحلام .. يبدو ان هذه الحرب اللعينة سوف لن تنتهي قريباً .. وانا ميت لا محالة .. بل أنا اموت يومياً مئة مرة .. لهذا اريد ان أقول لك انك في حلٍ من امري .. فما ذنبك انت لتتحملي كل هذا العذاب؟ امي والاولاد ومصاعب الحياة وشغل البيت ووظيفتك و.. و.. وضعت يدها على فمه محاولة اسكاته وهمست له: لا تكمل ارجوك.. ستنتهي هذه الحرب حتماً ستنتهي.. وتنتصر الحياة.. وستعود لنا سالماً وسنبني بيتنا سوية .. فدعك من هذه الوساوس ..
سحب نفساً عميقاً من سيجارته وارتد الى الجدار وهو يتمتم: الله وحده يعلم متى تنتهي هذه المقتلة .. وهو وحده يعلم ان كنت سأشهد نهايتها ام لا ؟
هذه الليلة بالذات هاجت مشاعرها .. لبست افضل ماعندها من ازياء يحبها احمد، وتعطرت بالعطر الذي يعشقه هو وهو الذي اهداه لها، وسرحت احلام بخيالها .. استذكرت ايامها الحلوة مع احمد .. خطوبتهما، زواجهما، اولادهما .. سفرتهما الى شمال الوطن، تذكرت ايامها الحلوة وهما يبنيان عشاً صغيراً يتسع لهما وامه واولاده الثلاثة …
اكفهر وجهها وانفجرت دمعتها، وهي تتذكر كيف جاءها احمد ذات يوم عكس ما اشتهت وتمنت، لقد جاءها فعلا.. ولكنه كان جسداً بلا روح، محمولاً على متن عجلة ملفوفاً بالعلم.
الليلة فقط وبعد سنوات من فراقه قررت ان تذهب إليه لتبث له لواعجها .. وتشكو له الحال وتجدد له حبها.. وتذكّره بما مضى ..
تسللت إليه في ظلمة الليل، لم يكن هناك في المكان غيرها، وسكون المقبرة وصفير الرياح تعصف بالمكان الموحش.. انهمرت دموعها كالشلال وانتابتها نوبة نشيج وغصة مكبوتة في صدرها منذ سنوات، لم تعبأ بمخاوف الليل والسكون والوحشة وهي تضع خدها على شاهد قبره وتحتضنه بيديها.. لقد مات قلبها وجفت مشاعرها منذ ان غادر أحمد الى غير عودة.. لقد تحطمت أحلامُ احلامٍ وانتهت .. ولكن هذه الحرب اللعينة لم تنتهِ.