رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
تيسير كامل حسين فنانة تشكيلية وحضور لافت في المعارض


المشاهدات 1061
تاريخ الإضافة 2026/03/25 - 10:16 PM
آخر تحديث 2026/03/26 - 3:14 AM

في المشهد التشكيلي العراقي المعاصر تبرز الفنانة تيسير كامل حسين كصوت بصري يحمل خصوصية واضحة في الرؤية والتجربة، حيث لا تكتفي بتقديم اللوحة بوصفها شكلاً جمالياً بل تتعامل معها كمساحة تفكير وتأمل واشتغال داخلي عميق على الإنسان بوصفه حالة وجودية معقدة.. نشأت في بيئة مشبعة بالفن والأدب، فكان هذا التكوين المبكر بمثابة البذرة الأولى التي أسست لوعيها الفني وفتحت أمامها أبواباً واسعة للبحث والتجريب.. بين اللون والكلمة وبين الإحساس والفكرة تشكلت ملامح مشروعها الفني الذي يميل إلى التعبيرية والتجريد مع حضور واضح للبعد الإنساني والرمزي.
خاضت الفنانة تجربتها بثبات رغم التحديات التي تواجه أي فنان يختار طريقاً موازياً للمسارات التقليدية حيث جمعت بين الدراسة العلمية والاشتغال الفني لتصنع من هذا التباين حالة تكامل انعكست بوضوح في أعمالها. وقدمت عبر معارضها حضوراً لافتاً جعلها في مواجهة مباشرة مع المتلقي، الأمر الذي أسهم في بلورة رؤيتها ومنحها ثقة أكبر بمشروعها الفني. في هذا الحوار الصحفي الموسع نقترب أكثر من عالمها الداخلي ونحاول قراءة تجربتها من خلال إجاباتها التي تكشف الكثير من ملامح شخصيتها الفنية والإنسانية.
* حوارنا معك سيأخذ مديات واسعة من مشراك الفني فما رأيك ؟
ـ  على الرحب والسعة وكلي شوق بأن اجيب على أي سؤال تطرحه .
* إذاً لنعد الى الوراء ونسألك كيف تصفين نشأتك الأولى وتأثير البيئة التي ولدت فيها على وعيك الفني  ؟
ـ  اعتبر نفسي محظوظة جدا كوني ولدت في بيئة فنية وادبية حيث لم يكن الفن لدينا مجرد نشاط جانبي بل كان جزءاً من الحياة اليومية. هذا التكوين لم يكن صدفة بل كان تشكيلاً مبكراً لوعيي، إذ كانت اللوحة تجاور القصيدة واللون يتنفس مع اللغة.. هذا التداخل منحني حساسية عالية تجاه اللون والرسم وجعلني أرى العالم بوصفه قصيدة قابلة للتأويل منذ الطفولة. يمكنني القول إن هذه البيئة كانت الأساس الذي انطلقت منه رؤيتي الفنية لاحقاً.
* متى شعرت أن الرسم لم يعد مجرد هواية بل تحول إلى ضرورة داخلية؟
ــ اللحظة الحاسمة كانت عندما أدركت أن ما أرسمه ليس تقليداً لما أراه بل محاولة لقول ما لا أستطيع التعبير عنه بالكلام. عندها تحول الرسم من متعة ذاتية إلى ضرورة داخلية أشبه بفعل بوح لا يمكن تأجيله. أصبح الرسم وسيلتي لفهم نفسي والعالم من حولي.
* هل ما زلت تتذكرين أولى لوحاتك ؟
ـ  نعم أتذكرها جيداً لأنها تمثل بداياتي وشغفي الأول بالرسم. كانت تلك اللوحات انعكاساً لمشاعر لم أكن أستوعبها تماماً آنذاك. وعندما أعود إليها اليوم أراها كبداية حقيقية لوعي فني رغم بساطتها لكنها كانت تحمل صدقاً عفوياً مهماً في مسيرتي.
* ما طبيعة العلاقة بين الشعر والرسم في حياتك؟
ـ  كان هناك تداخل عميق بين الكلمة واللون داخل منزلنا، حيث لم يكن الشعر مجرد نص يُقرأ بل كان يُعاش. هذا التفاعل جعلني أتعامل مع اللوحة كأنها نص بصري يحمل إيقاعاً وصمتاً ومعنى مؤجلاً. أعتقد أن الكثير من أعمالي تحمل أثراً غير مباشر لهذا الحوار الخفي بين الشعر والرسم خاصةً أن والدي ينتميان إلى عالم الشعر.
* كيف استطعت التوفيق بين دراستك العلمية واهتمامك الفني؟
ـ  رغم التباين الظاهري بين المجالين إلا أنني وجدت نوعاً من التكامل بينهما. الدراسة العلمية منحتني انضباطاً ومنهجية في التفكير، بينما الفن منحني الحرية. كنت أعيش هذا التباين الخلاق بين النظام والفوضى وهذا انعكس لاحقاً في بناء اللوحة نفسها.
* هل واجهت تساؤلات أو تحديات عند اختيارك للفن ؟
ـ  نعم، كان هناك الكثير من التساؤلات سواء من الداخل أو من المحيط. اختيار الفن كمسار موازٍ لم يكن سهلاً لكنه كان خياراً وجودياً أكثر منه مهنياً. مع مرور الوقت تحولت هذه الشكوك إلى دافع لإثبات الذات.
* متى شعرت أن الفن أصبح مشروع حياتك ؟
ـ عندما أدركت أنني لا أستطيع الانفصال عنه. لم يعد مجرد ممارسة عابرة بل أصبح جزءاً من هويتي. منذ تلك اللحظة بدأت أتعامل معه كمشروع حياة وليس كهواية.
* هل هناك محطة معينة شكلت تحولاً في مسيرتك؟
ـ  ليست هناك نقطة واحدة بل تراكم لحظات وتجارب. لكن أول مواجهة حقيقية مع الجمهور كانت تحولاً مهماً لأنها وضعتني أمام مسؤوليتي كفنانة.
* ما المدارس الفنية التي تأثرت بها ؟
ـ  كنت أميل إلى التعبيرية والتعبيرية التجريدية لأنها الأقرب لذاتي حيث يكون الشعور هو المحرك الأساسي. ومع الوقت اقتربت أكثر من التجريد لأنه يمنحني مساحة أوسع للتأويل بعيداً عن المباشرة.
* متى شعرت بالثقة في تقديم أعمالك للجمهور ؟
ـ  عندما توقفت عن البحث عن القبول، وبدأت أؤمن بأن الصدق الفني أهم من رضا الجميع. هذه اللحظة منحتني الجرأة للظهور.
* كيف تصفين أسلوبك الفني ؟
ـ  أسلوبي هو مزيج من الواقعية والتعبيرية والتجريد لكنه في جوهره محاولة للقبض على الحالة الإنسانية. أتعامل مع الجسد ككيان وجودي ومع اللون كطاقة ومشاعر وليس كعنصر جمالي فقط.
* ما حضور المرأة في أعمالك ؟
ـ  المرأة ليست موضوعاً بل حالة وكيان وجودي تمثل الهشاشة والقوة الحضور والغياب الصمت والصرخة. هي مرآة للوجود الإنساني بكل تناقضاته.
* كيف تختارين الألوان في لوحاتك ؟
ـ  الألوان ليست قراراً عقلانياً بحتاً بل هي تفاعل بين الحدس والوعي والمشاعر.. أحياناً تقودني حالتي الداخلية وأحياناً أتعامل مع اللون كبناء فكري داخل اللوحة.
* ماذا مثّل لك معرضك الفني ؟
ـ كان دافعاً مهماً وملهماً ولحظة إعلان وبوح ليس فقط للجمهور بل لنفسي أيضاً. أتاح لي اختبار علاقتي بالمتلقي وفتح أمامي مساحة أوسع للحضور.
* أي التجارب كانت الأقرب إليك؟
ـ كل تجربة لها خصوصيتها لكن الأقرب هي تلك التي شعرت فيها بأن العمل وصل إلى المتلقي دون وسائط عندما يحدث هذا التماس الصامت بين اللوحة والمتلقي.
* كيف تنظرين إلى عرض أعمالك خارج العراق ؟
ـ  أراه خطوة مهمة لأن الفن لغة عابرة للحدود. انتشار العمل خارج بيئته يمنحه قراءات جديدة، وأنا أسعى لنقل معارضي خارج العراق عندما تتوفر الفرصة.
* كيف تقيّمين تطور تجربتك؟
ـ بداياتي هي الأساس لما وصلت إليه من نضج في الوعي والأسلوب.. هناك فرق واضح حيث كان التعبير في البداية أكثر اندفاعاً. أما الآن فأصبح أكثر عمقاً ووعياً.
* ماذا يعني لك الانتماء إلى المؤسسات الفنية ؟
ـ   يمنح الفنان إطاراً مهنياً ويساهم في تعزيز حضوره داخل المشهد التشكيلي، إضافة إلى فتح فرص للتواصل، والتفاعل.
* ما أهم الصفات التي يجب أن يمتلكها الفنان ؟
ـ  الصدق والاستمرارية وامتلاك رؤية خاصة. الموهبة وحدها لا تكفي، بل يجب أن تكون هناك تجربة متراكمة ونهج واضح.
* ما مشاريعك المستقبلية ؟
ـ  أسعى لتقديم مشاريع أكثر عمقاً وتجديداً وربما خوض تجارب بصرية جديدة تتجاوز الشكل التقليدي للوحة. أفكر في معرض يعكس تحولاً واضحاً في رؤيتي.
* هل لك اضافة أخرى ؟
ـ  أود القول إن الفن بالنسبة لي ليس ترفاً بل ضرورة وجودية، وكل عمل هو محاولة لفهم ما لا يُقال ورؤية ما لا يُرى.
ختاماً: بهذا الوعي العميق تستمر تجربة الفنانة تيسير كامل حسين بوصفها رحلة بحث مفتوحة على احتمالات متعددة حيث لا تتوقف عند حدود شكلية أو أسلوبية، بل تذهب دائماً نحو جوهر الإنسان وما يحمله من أسئلة وهواجس.. إنها تجربة تؤكد أن الفن الحقيقي هو ذلك الذي ينطلق من الداخل ليصل إلى الآخر بصدق وشفافية.
* شكرًا لك، متمنين لك دوام العطاء والمستقبل الزاهر .
ـ شكرًا لاهتمامكم الكبير بالفن وبالفنانين .


تابعنا على
تصميم وتطوير