رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
عالية طالب سيرة إبداعية في الذاكرة الثقافية العراقية


المشاهدات 1116
تاريخ الإضافة 2026/03/16 - 11:05 PM
آخر تحديث 2026/03/17 - 7:30 PM

تشكل الذاكرة الثقافية العراقية فسيفساء واسعة من الأسماء التي أسهمت في بناء المشهد الأدبي والإعلامي عبر عقود طويلة من التحولات السياسية والاجتماعية. ومن بين هذه الأسماء تبرز الروائية والكاتبة والصحفية العراقية عالية طالب بوصفها واحدة من الأصوات النسوية التي جمعت بين الكتابة الإبداعية والعمل الصحفي والنشاط الثقافي والاجتماعي. لقد مثلت تجربتها نموذجاً للكاتبة التي تشكلت في بيئة ثقافية تقليدية ثم انطلقت إلى فضاءات أوسع من القراءة والكتابة والعمل الإعلامي حتى غدت جزءاً من تاريخ الصحافة الثقافية في العراق.
إن تجربة عالية طالب لا يمكن قراءتها بوصفها سيرة شخصية فحسب بل هي أيضاً انعكاس لمسار الثقافة العراقية في العقود الأخيرة حيث تتقاطع فيها ملامح الطفولة الأولى مع إرهاصات الكتابة ثم تتسع لتشمل العمل الصحفي والاهتمام بالشأن الثقافي العربي وقضايا المرأة والهوية العراقية. ومن هنا تبدو سيرتها أقرب إلى شهادة ثقافية عن زمن كانت فيه القراءة جزءاً من الحياة اليومية وكانت الصحافة تمر عبر مراحل صارمة من التحرير والمراجعة وكانت المؤسسات الثقافية تستقطب معظم الطاقات الإبداعية في البلاد. في هذا التحليل الصحفي والأدبي نحاول قراءة أبرز محطات تجربة عالية طالب بدءاً من نشأتها الأولى مروراً بتكوينها الثقافي وبداياتها في القصة والرواية وصولاً إلى حضورها في الصحافة والإعلام ونشاطها الثقافي والاجتماعي وما تمثله تجربتها من دلالة في مسار الكتابة النسوية العراقية.
النشأة والبدايات الثقافية 
ولدت عالية طالب عقيل الجبوري في بغداد عام 1957 في منطقة الوزيرية وهي واحدة من المناطق البغدادية التي شهدت حضوراً ثقافياً واجتماعياً ملحوظاً خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وقد نشأت في أسرة كان للعلم والثقافة فيها حضور واضح الأمر الذي ترك أثراً مبكراً في تكوينها الفكري.
وتشير تجربتها الشخصية إلى أن حب القراءة بدأ يتشكل لديها منذ الطفولة المبكرة إذ كانت منذ المرحلة الابتدائية تميل إلى قراءة الكتب الخارجية خارج إطار المناهج المدرسية. وكان لهذا الميل المبكر دور أساسي في بناء علاقتها الأولى مع عالم اللغة والخيال.
غير أن العامل الأهم في هذه المرحلة كان حضور الأم في حياتها الثقافية. فقد كانت والدتها خريجة دار المعلمات وتمتلك وعياً تعليمياً وثقافياً جعلها قريبة من اهتمامات ابنتها. وكانت تساعدها في تفسير الكلمات ومعاني الجمل وتمنحها أكثر من معنى للكلمة الواحدة الأمر الذي فتح أمامها آفاقاً لغوية واسعة وأسهم في صقل حساسيتها تجاه اللغة.
لقد مثّل هذا المناخ الأسري نقطة انطلاق مهمة في تكوين شخصية عالية طالب حيث ارتبطت القراءة لديها بفكرة الاكتشاف والتوسع المعرفي. وكانت تصف والدتها بأنها المنجد الأول لها في فهم الكلمات والنصوص وهو توصيف يكشف عن عمق التأثير الذي تركته هذه العلاقة في مسيرتها الثقافية.
البيئة الاجتماعية ودور الأم
لم يكن تأثير الأم مقتصراً على الجانب التعليمي فحسب بل امتد أيضاً إلى البعد الإنساني والاجتماعي. فقد كانت والدتها ناشطة في عدد من الجمعيات الخيرية والثقافية التي تهتم بخدمة المجتمع ومساعدة المحتاجين. وكانت تشارك في أنشطة إنسانية مختلفة مثل حملات التبرع أو الحفلات الخيرية التي يعود ريعها للفقراء.
ومن بين الصور التي بقيت عالقة في ذاكرة الكاتبة تلك الزيارات التي كانت تقوم بها الأسرة إلى دار الرحمة للأيتام في منطقة الوزيرية حيث كانت الأم تصطحب أبناءها حاملين الطعام والملابس للأطفال. وكانت تلك الزيارات تشكل درساً عملياً في معنى التضامن الاجتماعي والاهتمام بالآخر.
هذه التجربة الإنسانية المبكرة أسهمت في تشكيل الحس الاجتماعي لدى عالية طالب وهو ما يظهر لاحقاً في كثير من مواقفها الثقافية وفي دفاعها المستمر عن قضايا المرأة والمجتمع.
اكتشاف الكتابة الأولى
بدأت علاقة عالية طالب بالكتابة في سن مبكرة عندما كانت طالبة في المرحلة المتوسطة. وكانت أول قصة تكتبها في الصف الثاني المتوسط وقد نشرت في النشرة الجدارية للمدرسة. وعلى الرغم من بساطة هذه البداية فإنها شكلت لحظة مهمة في اكتشاف موهبتها الأدبية.
لقد كانت المدرسة آنذاك فضاءً حقيقياً لاكتشاف المواهب حيث كانت الأنشطة الثقافية جزءاً أساسياً من العملية التعليمية مثل المطالعة والكتابة والرياضة والنشاطات الفنية. وكانت المكتبات المدرسية تشجع الطلبة على قراءة الكتب ومناقشتها ضمن حلقات جماعية.
وتشير عالية طالب إلى أن تلك الممارسات التربوية تراجعت لاحقاً بسبب التحولات السياسية والحروب وتغير أنماط الحياة الأمر الذي انعكس سلباً على علاقة الأجيال الجديدة بالقراءة. وهي ترى أن مجتمع الأمس كان أكثر احتفاءً بالأدب والمثقفين لأن القراءة كانت جزءاً من الحياة اليومية.
القراءة بوصفها شغفاً دائماً 
تؤكد تجربة عالية طالب أن القراءة كانت المحرك الأساسي في تكوينها الثقافي. فهي كثيراً ما تصف لحظة قراءة كتاب جديد بأنها سعادة لا تضاهيها سعادة أخرى. وقد قادها هذا الشغف إلى زيارة المكتبات وباعة المجلات منذ سن مبكرة بينما كانت اهتمامات كثير من أقرانها تتجه إلى أمور أخرى بعيدة عن عالم الكتاب.
لقد شكل هذا الرصيد من القراءة قاعدة معرفية مهمة ساعدتها لاحقاً على الدخول إلى عالم الكتابة بثقة أكبر. فالكاتب في نظرها لا يولد من فراغ بل يتشكل تدريجياً من خلال تفاعل طويل مع الكتب والأفكار والتجارب الإنسانية.
الانطلاقة الأدبية والنشر الأول 
شهدت بداية الثمانينيات اللحظة الحاسمة في مسيرة عالية طالب الأدبية. فقد عادت إلى بغداد بعد فترة قضتها في بيروت حيث كانت تقيم مع زوجها أثناء دراستها الجامعية. وكانت بيروت في ذلك الوقت مركزاً مهماً للنشر العربي وهو ما أتاح لها فرصة الاطلاع على عدد كبير من الكتب والمجلات.
بعد عودتها إلى العراق كتبت قصة بعنوان العناق المضيء ونشرت في جريدة الثورة بمساعدة الكاتب حميد المطبعي. وقد شكل هذا النشر نقطة تحول في حياتها الأدبية لأنه منحها الثقة بقدرتها على الاستمرار في الكتابة.
ومنذ ذلك الوقت بدأت قصصها تتوالى في الصحف والمجلات العراقية. وفي عام 1986 صدر أول كتاب لها بعنوان الممرات عن دار الشؤون الثقافية العامة وهو العمل الذي رسخ حضورها ككاتبة قصة قصيرة. ثم تلت ذلك رواية بعيدا داخل الحدود عام 1988 لتدخل بعدها عالم الرواية بوصفه مجالاً أوسع للتعبير عن رؤيتها للعالم.
الصحافة بوابة أخرى للإبداع
لم تقتصر تجربة عالية طالب على الكتابة الأدبية بل امتدت أيضاً إلى العمل الصحفي الذي شكل جزءاً مهماً من مسيرتها المهنية. فقد بدأت عملها الاحترافي في جريدة الجمهورية عندما كان يرأس تحريرها سعد البزاز.
عملت في البداية محررة في الصفحة الأخيرة للجريدة ضمن فريق يضم عدداً من الأسماء الثقافية مثل ابتسام عبد الله وهدية حسين ومعد فياض. وبعد فترة قصيرة انتقلت إلى القسم الثقافي الذي أصبح مجالها المفضل للعمل الصحفي.
وقد بقيت في هذا القسم حتى عام 2003 حيث تولت رئاسته لفترة من الزمن. وخلال هذه السنوات اكتسبت خبرة واسعة في تحرير المواد الثقافية ومتابعة الإصدارات الأدبية وإدارة الحوارات مع الكتاب والمثقفين.
صرامة الصحافة القديمة 
تصف عالية طالب تجربة العمل الصحفي في تلك الفترة بأنها تجربة شاقة لكنها ضرورية لصقل الكاتب. فقد كانت المادة الصحفية تمر عبر سلسلة طويلة من المراجعات تبدأ بالمحرر ثم رئيس القسم ثم سكرتير التحرير وأخيراً رئيس التحرير.
وكان هذا النظام الصارم يفرض على الكاتب أن يراجع نصه أكثر من مرة وأن يحرص على خلوه من الأخطاء اللغوية والمعلوماتية. ولذلك ترى أن النصوص الصحفية في تلك المرحلة كانت أكثر دقة من كثير من النصوص التي تنشر اليوم في ظل سهولة النشر عبر الإنترنت.
العمل الإعلامي ومراقبة الأداء الثقافي
بعد عام 2003 شاركت عالية طالب في تأسيس منظمة عراقيون للبث العام المستقل وهي منظمة مدنية تهدف إلى مراقبة أداء شبكة الإعلام العراقي بوصفها مؤسسة ممولة من المال العام. وقد ضمت هذه المنظمة عدداً من الشخصيات الثقافية والقانونية مثل طارق حرب وعبد الجبار الجبوري ورؤى البازركان وكاظم الركابي.
كان الهدف من هذا النشاط هو التأكيد على استقلالية الإعلام وضرورة أن يعكس مصالح المجتمع لا أن يكون مجرد أداة بيد السلطة السياسية.
كما قدمت برنامجاً ثقافياً بعنوان صالون البغدادية عبر قناة البغدادية من القاهرة حيث كانت تستضيف شخصيات أدبية وفكرية وتناقش معها قضايا ثقافية مختلفة.
المرأة     والكتابة في مجتمع ذكوري
تعد قضية المرأة من القضايا التي حضرت بقوة في خطاب عالية طالب الثقافي. فهي ترى أن المجتمع العراقي والعربي ما زال يحمل نزعة ذكورية واضحة تؤثر في فرص المرأة داخل المؤسسات الثقافية.
وتشير إلى أن حضور المرأة الأديبة في بعض المؤسسات الثقافية لا يحظى بالاهتمام الكافي. ففي كثير من الأحيان تمر مشاركتها دون احتفاء بينما لا يلتفت أحد إلى غيابها أيضاً. وهذا ما يعكس في نظرها خللاً في النظرة إلى دور المرأة في الحياة الثقافية. ومع ذلك فقد واصلت الدفاع عن حقوق المرأة عبر الكتابة والمشاركة في المؤتمرات والندوات الثقافية داخل العراق وخارجه.
العلاقة بالمثقف العربي
تكشف تجربة عالية طالب في مشاركاتها العربية عن مفارقة لافتة. فعلى الرغم من غنى المشهد الثقافي العراقي فإن صوت الأديب العراقي لا يصل دائماً إلى القارئ العربي بالصورة التي يستحقها.
وقد لاحظت خلال زياراتها إلى مصر وبيروت وبعض البلدان الأوروبية أن كثيراً من المثقفين العرب يجهلون تفاصيل الواقع الثقافي في العراق. وكانت تلاحظ حالة من الدهشة أو الصمت عندما تتحدث عن حجم النشاط الأدبي العراقي وعن الأسماء التي أسهمت في إثراء الثقافة العربية. الرواية بوصفها شهادة على التاريخ
في روايتها قيامة بغداد حاولت عالية طالب أن تقدم شهادة أدبية عن التحولات التي شهدها العراق بعد عام 2003. وقد تناولت في هذا العمل سنوات العنف الطائفي وما رافقها من صراعات اجتماعية وسياسية.
وقد لقيت الرواية اهتماماً لدى بعض النقاد العرب إذ كتب عنها الكاتب اليمني محمد الغربي معتبراً أنها تقدم رؤية مختلفة عن الصورة الإعلامية السائدة حول العراق.
إن تجربة عالية طالب تمثل نموذجاً مهماً للكاتبة العراقية التي استطاعت أن تجمع بين الإبداع الأدبي والعمل الصحفي والنشاط الثقافي والاجتماعي. فقد بدأت رحلتها من شغف طفولي بالقراءة ثم تحولت إلى صوت سردي يسعى إلى توثيق التحولات العميقة التي عاشها المجتمع العراقي.
وتكشف سيرتها عن أهمية البيئة الثقافية الأولى في تشكيل الكاتب وعن الدور الحاسم الذي تلعبه القراءة في بناء الوعي الأدبي. كما تبرز تجربتها الصحفية صورة لمرحلة من تاريخ الصحافة العراقية كانت فيها الكلمة تمر عبر منظومة تحريرية دقيقة تمنح النص قيمته المهنية.
وفي النهاية تبقى عالية طالب واحدة من الأسماء التي أسهمت في رسم ملامح السرد النسوي العراقي المعاصر وفي الدفاع عن حضور المرأة في الحياة الثقافية. إنها تجربة تجمع بين الذاكرة الشخصية والهم الثقافي العام وتقدم شهادة حية على قدرة الأدب على أن يكون وثيقة إنسانية لزمن كامل.


تابعنا على
تصميم وتطوير