رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
طالب الفراتي فنان رائد نقل فضاءات الريف إلى المسرح


المشاهدات 1275
تاريخ الإضافة 2026/03/08 - 2:02 AM
آخر تحديث 2026/04/17 - 12:03 AM

طالب الفراتي ممثل وفنان رائد كبير. كان قريب مني ربما تجمعنا قرابة او نسب او غير ذلك ، في دائرة السينما والمسرح وخاصة يوم الاثنين كنت اجالسه لنتمتع بقصصه الريفية الممتعة عن تلك الأجواء الساحرة لقضاء الشطرة في مدينة الناصرية جنوب العراق والتي شهدت ولادته وصباه وتعلقه بالتمثيل والمسرح .

من منا لا يتذكر الحاج (أبو سباهي)، الرجل الشهم في مسرحية (المحطة)، وكيف أثرت شخصيته في المشاهدين، التي جسد فيها، بتلقائية عالية، دور الرجل الجنوبي الطيب، ليصبح أيقونتها الخالدة. الفنان طالب الفراتي، المولود في محافظة الناصرية بقضاء الشطرة المدينة التي لم يتخلّ عن لهجتها، ولا عن طباع أهلها، بالرغم من انتقاله للعيش في بغداد.
ممثل كبير أجاد الاسترخاء أمام الكاميرا وعلى خشبات المسارح، كان يتقمص الشخصيات التي يلعب أدوارها بحِرفية، فهو الشيخ الإقطاعي الظالم القاسي، حد اللعنة، والرجل الصالح المتطامن مع ذاته، والفلاح النقي الذي يدافع عن أرضه وقيم مجتمعه. اشتهر بالأدوار الريفية وقدم العديد من الأعمال الفنية في السينما والمسرح والتلفزيون.
لم يدر بخلدي ان اسمع وانا في الغربة انه عاش اخر أيامه في عزلة بعد ان أعدم النظام الدكتاتوري ابنه الشاب الجامعي بتهم ملفقة . وفي فترات مرضه لجأت زوجته الفنانة أزهار حمودي إلى فتح محل من دارهم، قامت فيه ببيع المواد الغذائية لكي تقوم بتوفير ما يمكنها لرعايته واعالته في وقت لم تمتد له يد العون نهائيا باستثناء راتبه التقاعدي الذي لا يغني ولا يشبع من جوع، حتى رحل يوم الأربعاء الموافق 8/ 6/ 2005، وشيعه الفنانون في دائرة السينما والمسرح ببغداد بحزن وألم شديدين. وبذلك يكون أسدل الستار على أعظم شخصية من شخصيات الفن العراقي التي ساهمت في تطوير الفن العراقي.بدأ حياته الفنية مذيعاً في دائرة الإذاعة و التلفزيون، حيث قدم العديد من البرامج الوثائقية، منها برنامج (أرضنا الخضراء) الذي أعده غازي مجدي، وعرف من خلاله بشخصية سباهي، 
ثم تم اختياره ليمثل في مسلسلات ريفية وبدوية منها الدواسر وجرف الملح، بعدها انتقل إلى السينما فقدم أول أفلامه عام 1973 فيلم (الظامئون) للمخرج محمد شكري جميل .
وتوالت بعدها أدواره السينمائية في أفلام أخرى نذكر منها: (التجربة) و(الباحثون) و(الأسوار) و(يوم آخر) و(المسألة الكبرى) و(عمارة 13) و(العاشق) ، وانضم للفرقة القومية للتمثيل، فقدم أولى مسرحياته، المحطة عام 198
عرفه الجمهور حينما ظهر في أعمال درامية منها مسلسلي (الدواسر) و (جرف الملح) بدور الشيخ غافل وأجاد الدور بكفاءة عالية للراحل إبراهيم عبد الجليل اللذين شكلا منطلقاً جديداً للدراما العراقية بآفاقها الواقعية، والاجتماعية، والإنسانية، والإبداعية.. لتتواصل مشاركاته التلفزيونية في أعمال أخرى بينها: اللاهثون، والعم عناد وأعماق الرغبة وبركان الغضب والعديد من الأعمال الريفية. دراما من الزمن الجميل (جرف الملح) هو أول مسلسل عراقي درامي عرضه تلفزيون بغداد عام 1974ومتكون من ثلاث عشرة حلقه ،أبدع في المسلسل الكاتب الدرامي صباح عطوان واخرجه المخرج المصري المرحوم ابراهيم عبد الجليل ،وشارك في تمثيله ،طالب الفراتي وغازي الكناني وقاسم الملاك وعبد المطلب السنيد وخليل عبد القادر وصادق علي شاهين والأخرون . نال المسلسل نسبه عالية من النجاح ومشاهده من مختلف الفئات العمرية في حينها ،نظرا لتعدد أطراف الصراع وقوتها ،وصبها بقالب حكائي مشوق والأبراج المتميز ل للفنان المرحوم ابراهيم عبد الجليل ،وابداع الممثلين في تجسيد ادوارهم التي رسمها الكاتب بكل اتقان وموضوعه الاثير وفكرته الجديدة حيث تناول المسلسل قضية تغير العلاقات الاجتماعية والاقتصادية السائدة قبل ثورة 1968ونبذ التقاليد والعادات السيئة التي كانت تتحكم في الريف العراقي.
ولان المسرح الريفي الذي كان الفراتي من ابرز نجومه هو المسرح الذي يتوجه مباشرة الى الفلاحين والمزارعين وحتى لعامة الناس ، وهو يتمحور حول موضوعة واحدة وهي الارشاد الزراعي وتكمن اهمية هذا اللون من المسرح كذلك في انه يعد خلاصة لتجربة المؤلف العملية في حقل العمل المسرحي الريفي .الذي له وظائف  متعددة منها «المسرح بوصفه طريقة ارشاد زراعي فان خصائص الممثل في المسرح الريفي ومستلزمات العرض في المسرح الريفي «»المسرح ، دور المسرح في تنمية الوعي البيئي لدى طلبة المدارس الريفية « «المسرح طريقة اتصال بالريف لخدمة اهداف التنمية المستدامة .
اتسعت جماهيرية الفنان طالب الفراتي مع انتقاله للعمل في الفرقة القومية للتمثيل (الفرقة الوطنية حالياً) ليكرس نجوميته في العديد من المسرحيات كان أبرزها مسرحية (المحطة) لفتحي زين العابدين التي كانت ومازالت تعد من أفضل المسرحيات الشعبية الكوميدية سواء التي قدمتها هذه الفرقة أو التي عرضتها الفرق الأخرى لما انطوت عليه من مواقف ومفارقات كوميدية ذات دلالات اجتماعية وإنسانية بالغة الأهمية لاسيما في الشخصية التي جسدها الفراتي التي جسدت الشهامة والنخوة والطيبة إلى جانب زملائه الفنانين المعروفين عبد الجبار كاظم وعماد بدن وليلى محمد التي تكرست نجوميتها في هذه المسرحية بعد انتقالها من الفرقة القومية للفنون الشعبية إلى عالم المسرح القومي الرحب.. 
هذه المسرحية التي عرضت للمرة الأولى عام 1985 في المسرح الوطني وأعيد عرضها على خشبة مسرح الرشيد عام 1986 فضلا عن عرضها في محافظات كربلاء وواسط والموصل وبإقبال جماهيري مازالت عند عرضها تلفازياً تحقق ذلك الأثر وتدخل البهجة والمتعة إلى النفوس بالرغم من مرور أكثر من عشرين عاما على عرضها..
توالت مشاركات الفراتي في أعمال مسرحية أخرى منها: (فندق وسط المدينة - وأحلام العصافير- والبهلوان) وغيرها من المسرحيات مع الفرق المسرحية الأخرى..
لاسيما وان المسرح العراقي بتاريخ غنى يعود إلى قرون مضت، مع مزيج فريد من الفولكلور التقليدي الريفية منها والتأثيرات الحديثة. لعب رواد المسرح العراقي دورًا حاسمًا فى تشكيل المشهد الثقافي للبلاد، مستخدمين الفولكلور كمصدر للإلهام والإبداع. متعمقين في السياق التاريخي للمسرح العراقي والأحداث الكبرى والشخصيات الرئيسية وتأثير استخدام التراث الشعبي في المسرح العراقي، مع ذكر أمثلة من المسرح العراقي المعاصر. الأفراد المؤثرين الذين قدموا مساهمات كبيرة فى مجال التأليف والإخراج والتمثيل ، وبروز الجوانب الإيجابية والسلبية والتطورات المستقبلية المحتملة.
يعود تاريخ المسرح فى العراق إلى بلاد ما بين النهرين القديمة، حيث كانت العروض المسرحية جزءًا لا يتجزأ من الاحتفالات الدينية والثقافية. تأثرت هذه الأشكال المبكرة من المسرح بشدة بالأساطير والفولكلور والرمزية، حيث تركزت العروض غالبًا حول موضوعات الآلهة والإلهات وأساطير الخلق والروايات الملحمية. خلال العصر الذهبي الإسلامي، أصبحت بغداد مركزًا للتميز الثقافي والفكري، حيث لعب المسرح دورًا مهمًا في حيوية المدينة. وفى العصر الحديث، تطور المسرح العراقي ليعكس المشهد الاجتماعي والسياسي المتغير للبلاد. شهد القرن العشرين ظهور جيل جديد من ممارسي المسرح الذين سعوا إلى الجمع بين تقنيات سرد القصص التقليدية والموضوعات والأساليب المعاصرة. تم استخدام المسرح العراقي كأداة للتعليق الاجتماعي والمعارضة السياسية والحفاظ على الثقافة، حيث يعتمد الفنانون على الفولكلور لإنشاء عروض مقنعة ومثيرة للفكر.وهكذا كان الفنان الكبير طالب الفراتي ديدنه في الأعمال المسرحية والإذاعية برامج وتمثيليات ومسلسلات وفيها برز مقدما ناجحا وباستقطاب جماهيري كبير وممثلا محبوبا أصبح محل إعجاب وتقدير الجميع متلقين ومعنيين على حد سواء.
في الشاشة الكبيرة (السينما) حقق طالب الفراتي حضوره الأكبر في العديد من الأفلام السينمائية لأبرز مخرجي السينما في العراق، ويقف في مقدمتها الفلم الروائي الكبير (الظامئون) الذي قدم فيه المخرج محمد شكري جميل إحدى روائعه، حيث كان الفراتي أحد الفنانين الذين أسهموا في صياغتها إلى جانب فنانين كبار مثل خليل شوقي وناهدة الرماح وفوزية عارف وسامي قفطان ومي شوقي..
قدم أفلام أخرى في السينما العراقية منها: (التجربة 1977) للمخرج المصري: فؤاد التهامي، وفيلم (يوم آخر 1979) للمخرج صاحب حداد، وفيلم (الباحثون) للمخرج: محمد يوسف الجنابي، وفيلم (الأسوار 1979) للمخرج: محمد شكري جميل، وفيلم (المسالة الكبرى 1982) للمخرج: محمد شكري جميل، وفيلم (عمارة 13) للمخرج صاحب حداد ، وفيلم (العاشق) للمخرج السوري: محمد منير فنري وغيرها من الأعمال السينمائية.
حصد الفراتي في فلم (يوم آخر) للراحل صاحب حداد بعد ان قدم أروع أدواره السينمائية جائزة أفضل ممثل حيث قدم دوره بأداء مؤثر غني بالدلالات لشخصية الإقطاعي (الشيخ مجيد) المتنفذ الذي يشحذ كل غرائزه الحيوانية وشهواته الاستغلالية وينقض على أولئك الفلاحين الأميين ليحرق محصولهم ويقتل العديد من ذويهم بالرصاص الذي لا يفرق بين امرأة ورجل وطفل.ولابد هنا ان نستذكر شجاعة الفنان طالب الفراتي في وقت كان العراق يعاني من الفوضى والإرهاب المنظم الذي يغتال كلمن يرفع من وطينته ويدافع عن العراق .. فبعد سقوط نظام صدام كان الفراتي واحداً من الحالمين بعراق حر جديد، وبعد عودة الملايين من الناس، وجد هذه الحالة غير المنقطعة من الدمار والأهوال، والدماء، والطائفية، حتى هاجر من العراق الملايين أيضاً، فمن المسؤول ولماذا كل هذا، بهذه الكلمات على لسان الفنان الفراتي المهدد حياته ليبدي رغبته بمشاركة بفيلم العراق: حرب، حب، ورب، وجنون للمخرج محمد الدراجي .وخاصة ان احداثه تجري في شوارع بغداد حيث عصابات الخطف والخطف والعنف . حيث يطمح المخرج تقديم من خلاله إلى العراق في رحلة استكشاف آثار ثلاثين عاماً من الحرب والاحتلال .
الفيلم من إخراج وتأليف محمد الدراجي وإنتاج عطية الدراجي وداني ايفانز وايزابيل ستيد ومحمد الدراجي وتصوير أحمد ياسين ومونتاج داني ايفانز وموسيقا محمد الدراجي، ويعتبر وثيقة عن الفراغ السياسي والأمني والقتل المجاني في بلد عاد إليه المخرج وهو يحلم بالديمقراطية، فإذا به أصبح مستباحاً لقوات الاحتلال وأطراف داخلية متعددة جعلت من العراقيين أكبر جالية في العالم وأن 30% من العراقيين هربوا من بلدهم طلباً للأمان .
يرى الفراتي بعد ان عرض عليه المخرج الدراجي المشاركة  وزملاء من خلال الفيلم الواقعي الذي شاركه في تنفيذه عدد من الفنيين العراقيين مع زملاءه الممثلين الذين عملوا معه في فيلميه أحلام وابن بابل ومنهم أسيل عادل وبشير الماجد 
ويبدأ الدراجي فيلمه الوثائقي (حرب . حب . رب . وجنون) بتوثيق دخوله إلى العراق عام 2004 لتصوير فيلمه الروائي الطويل (أحلام) عن العراق حين كانت القوات الأمريكية تشن هجوماً على ميليشيا جيش المهدي .وشكلت الخلفيات والقصص والصعوبات الخاصة بتصوير فيلم (أحلام) مادة الفيلم الوثائقي الجديد لكنها مادة مراوغة تبدو كأنها تحكي عن الفيلم لكنها تعطي المشاهد فكرة عن أحوال العراق في لحظة حرجة أودت بحياة كثيرين وكادت تقضي على المخرج الذي فقد بعض أهله وأصدقائه موتاً أو صمتاً أو هجرة .
وبدافع العشق للسينما والحياة يحاول الدراجي الحصول على تصاريح لتصوير فيلمه (أحلام) لكن عقبات كثيرة كانت في انتظاره منها رفض كثيرات القيام بدور البطولة خوفاً من المسلحين الذين سيرون بالطبع سيارات التصوير في الشارع ولا يأمن أحد هجماتهم وزاد من صعوبة الأمر أن البطلة تُغتصب في أحد المشاهد .
ويتعرض فريق الفيلم للموت أثناء التصوير إذ تطلق عليهم نيران مجهولة كما تقوم مروحيات بالتحليق في الصحراء خارج مدينة بغداد حيث يصورون بعض المشاهد فيضطر المخرج لمخاطبة قائد الطائرة بأن يكتب فوق الرمال بحروف إنجليزية كبيرة عزيزي قائد الطائرة . . نحن مسالمون . . نصوّر فيلماً عن العراق . . لا تطلقوا علينا النار .
يقول الفنان الممثل الكبير طالب الفراتي عن هذه الساعات المرعبة : كانت مصائرنا من ممثلين ومصورين مأساوية . فالمخرج الدراجي فقد أخاه الذي تعرض للقتل، وبشير أصبح لاجئاً في وطنه بسبب العنف الطائفي، والممثل بشار قتل قبل عرض الفيلم بسبب العنف الطائفي، ومنتظر منتج الفيلم تلقى علاجاً نفسياً . 
وهو ما يفسر بدوره اللحظة العبثية التي يعيش فيها العراق آنذاك ويسخر من هذه الصورة الغائمة قائلاً الأمريكان يستهدفوننا والأمن الوطني (العراقي) يستهدفنا والعنف السياسي والديني الطائفي تستهدفنا ولم نكون وحدنا المستهدفين.
 فالعراقية الأمريكية مارجريت حسن التي كانت تعمل مع إحدى وكالات المساعدة الإنسانية لم تفلح محاولات إنقاذها إذ تقتلها جماعات مسلحة بحجة أنها تعمل مع الأمريكان .في أعقاب الفيلم قال المخرج العراقي محمد الدراجي إن الفيلم يعد الأول الذي يؤرخ لمرحلة ما بعد سقوط بغداد مباشرة وتحديداً منذ 2004 وحتى 2007 وأنه من المخرجين المحسوبين على المدرسة الواقعة البعيدة عن الملحمية والتنظيرية .
وأضاف: الوضع في العراق يخلق الحالة التي تصنع أفلاماً وما وراء الكواليس يكون في أحايين كثيرة أهم مما أمام الكاميرات .
وأشار في ختام مقابلة للفراتي عبر شاشة التلفزيون ( العراقية ) إلى أن عمله بالسينما كان لرغبته في إيصال الصورة الصحيحة عن العرب للغرب الذين كانوا يتهمون بالإرهاب، وعليه كانت السينما وسيلة للتأكيد ومن خلال الأفلام أننا يريدون عودة الفن والثقافة للعراق .
وقالت زوجة الراحل أزهار حمودي التي شاركت في عشرات الاعمال الدرامية منها: الهاجس، بيت البنات، الذئب وعيون المدينة وغيرها الكثير، قالت في تصريح سابق (تاريخ رحيله لا ينسى ابدا ، كان ذلك مساء الأربعاء 8 حزيران 2005.
واقولها شكرا للجهات المعنية التي تتجاهل دور وأهمية الفنان العراقي فعلى مدى تاريخ الفنان العراقي نجده بمستوى معيشي بسيط ومعظمهم يعيشون في بيوت للإيجار والفنان المسن لا يجد تأمين صحي يكون سنده عند المرض.
 لكن الفراتي سيبقى في ذاكرة الاجيال والمشاهدين ليس لأنه زوجي ولكن بدون مبالغة لان كل اعماله جميلة ومنها مسرحية المحطة ومسلسل الدواسر وجرف الملح فهي من اعماله المميزة وستبقى علامة في تاريخ الدراما.


تابعنا على
تصميم وتطوير