رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
أولادنـــا والمـــــدارس


المشاهدات 1335
تاريخ الإضافة 2026/03/01 - 11:51 PM
آخر تحديث 2026/03/03 - 1:09 AM

لم يعد نفور التلاميذ من المدرسة في العراق ظاهرة عابرة او سلوكا فرديا يمكن تفسيره بالكسل او الاهمال او اي سبب آخر بل اصبح حالة عامة تتكرر في معظم البيوت فالطفل يستيقظ متثاقلا او يفتعل المرض او يتغيب وحتى ان حضر فسوف يعد الدقائق بانتظار جرس الانصراف ومغادرة المدرسة. هذه المشاهد اليومية تطرح سؤالا ابعد من التحصيل الدراسي الا وهو لماذا لا يحب اولادنا المدرسة؟
ان الطفل بطبيعته محب للاستكشاف والتعلم فيطرح الاسئلة بلا توقف ويتفاعل مع القصص والالعاب والتجارب لكن حين يدخل المدرسة في بلدنا يتبدل هذا الشغف تدريجيا الى خوف وقلق وهنا تتضح المشكلة في ان الطفل لا يكره المعرفة بل يكره التجربة المدرسية التي يعيشها. هل من المعقول ان يتم اجبار تلاميذ في الابتدائية والمتوسطة على حفظ قصائد شعرية معقدة وسور قرآنية طويلة واتقان قواعد معقدة للغة العربية وهم اصلا ضعيفين في القراءة والفهم؟ بينما يفترض تعليم التلاميذ على النطق الصحيح وحب نصوص الشعر والقران الكريم وفهمها بطريقة مشوقة، وان يتم التعامل مع النص بوصفه تجربة جمالية لا اختبار ذاكرة.
في العالم اليوم لم يعد تقييم جودة التعليم قائما على الانطباعات بل على مؤشرات علمية دقيقة تقيس ليس فقط ما يتعلمه التلميذ بل كيف يشعر داخل المدرسة ومن ابرزها التقرير العالمي لمراقبة التعليم Global Education Monitoring Report  الصادر عن منظمة اليونسكو. 
هذه التقارير لا تسال فقط عن نسب الالتحاق بالمدرسة وكمية المواد العلمية بل عن جودة البيئة المدرسية في المدارس حيث تتشكل علاقة الطفل بالتعلم. وتحذر هذه التقارير من ظاهرة فقر التعلم، اي وصول التلميذ الى الصفوف العليا دون امتلاك مهارات الفهم الاساسية وبناء شخصية التلميذ وغالبا ما ترتبط هذه الظاهرة بالانظمة التي تركز على الحفظ والامتحان المبكر وتغفل المناخ النفسي والتربوي. فوفق تقارير اليونسكو الخاصة بالدول العربية يصنف العراق ضمن الدول التي تعاني ضعفا واضحا في جودة التعليم الاساسي.
 ليست المشكلة في المناهج وحدها بل في واقع المدرسة نفسها حيث نجد صفوف مكتظة ونشاطات محدودة وتدريب تربوي ضعيف للمعلمين وثقافة امتحان ضاغطة والطفل يذهب الى المدرسة لكنه لا يعيش تجربة تعليمية متكاملة وانما يتعلم كيف ينجح في الاختبار لا كيف يفكر. 
الدول التي تتصدر جودة التعليم الابتدائي مثل فنلندا واستونيا وكندا واليابان وسنغافورة لا تتفوق بسبب صعوبة المناهج بل بسبب فلسفة تعليمية مختلفة حيث يتم التعامل مع المدارس وخصوصا الابتدائية بوصفها مرحلة بناء شخصية الطفل لا ضخ مواد علمية معقدة وزيادة الامتحانات.
 فالطالب هناك لا يعيش هاجس الرسوب المبكر ولا يربى على الخوف فالمعلم لا يهدده بعدم الانتقال الى المرحلة التالية بسبب الرسوب وايضا لا يتحول البيت الى ساحة توتر يومي او دروس اضافية قسرية خوفا من الامتحان.
 بل ان كثيرا من المدارس في هذه الدول ترفض تدخل عوائل التلاميذ في الضغط النفسي واجبار ابناءهم على الدراسة بعد ساعات المدرسة او تحميلهم ساعات تدريس خصوصي لان الافراط في القلق يضر بالتعلم اكثر مما ينفعه فعندهم لا يوجد شي اسمه نجاح او رسوب وينتقل التلميذ عادة الى المرحلة الاخرى بصورة طبيعية فهدف المدرسة ليس الضغط على الاطفال بل دعم نموهم ويتم التعامل مع الفروق الفردية بين التلاميذ بوصفها امرا طبيعيا لذلك لا تستخدم كلمة رسوب ويعالج اي تاخر في فهم المواد العلمية عبر متابعة فردية وبرامج مساندة داخل المدرسة لا عبر التخويف او الضغط النفسي. حتى التقارير الفصلية والسنوية للمدرسة لا تبنى على الدرجات الرقمية ولا يعود الطالب الى منزله بورقة مليئة بالارقام بل بتقرير وصفي شامل يتضمن مدى تطوره الذهني وقدرته على التركيز وتفاعله مع زملائه ومهاراته الاجتماعية وميوله الفنية او الرياضية والمجالات التي يبدع فيها وثقته بنفسه. المدرسة هناك تريد معرفة شخصية الطفل لا فقط مستوى حفظه. وهناك ظاهرة واضحة جدا في معظم المدارس في هذه الدول وهي التي تبدأ من اللحظة الاولى من صباح اليوم الدراسي حيث يقف مدير المدرسة او مديرتها مع عدد من المعلمين عند باب المدرسة لاستقبال التلاميذ يرحبون بهم واحدا واحدا وينادون كل طفل باسمه وتقف مجموعة اخرى من المعلمين خارج المدرسة عند توديعهم في نهاية الدوام. 
هذه الدقائق القصيرة ليست مجاملة شكلية بل جزء من فلسفة تربوية تجعل الطفل يشعر انه معروف ومهم وان المدرسة مكان امن له. 
يرى المفكر التربوي جون ديوي ان التعليم ليس اعدادا للحياة بل هو الحياة نفسها، اي ان التجربة اليومية داخل المدرسة هي ما يبني الشخصية.
 وتؤكد الباحثة التربوية كارول دويك ان تركيز المدرسة على الدرجات يخلق عقلية الخوف من الخطا بينما التعلم الحقيقي يبدا بالمحاولة وتحذر من ان النظم التقليدية قد تقتل الفضول الطبيعي لدى الاطفال حين تربط المعرفة بالقلق.
ومن الواضح ان جزءا كبيرا من المشكلة لا يتعلق بالمدرسة وحدها بل بآلية المتابعة والاشراف التربوي فوزارة التربية في بلدنا ما زالت تقيّم المدارس عبر مؤشرات تقليدية ضيقة مثلا هل اكتمل المنهج؟ كم صفحة انجزت؟
 هل اجريت الامتحانات في موعدها؟ وتدقيق غيابات التلاميذ وغيرها من الامور الشكلية. 
في المقابل تغيب مؤشرات اساسية تعتمدها الانظمة التعليمية الحديثة مثل شعور التلميذ بالامان ومدى حبه للتعلم وتوفر الانشطة الرياضية والفنية وجودة العلاقة الانسانية بين المعلم والطالب ورضا التلاميذ عن اساليب التدريس. فلا توجد استبيانات دورية تقيس رضا التلاميذ ولا محاسبة للمدارس التي تهمل الانشطة او تحول اليوم الدراسي الى حصص وواجبات فقط. وهكذا اصبح نجاح المدرسة يقاس بكمية المواد العلمية والقضايا الادارية وليس بناء الانسان. والنتيجة طالب قد ينجح في الامتحان لكنه يفشل في حب التعلم. فما هو المانع ان تطبق وزارة التربية العراقية معايير جودة التعليم العالمية المعتمدة على مدارسنا؟ ان اراء الخبراء تتفق على حقيقة واحدة وهي ان الطفل لا يكره العلم بل يكره التجربة المدرسية السيئة. ان الدول التي نجحت لم تفعل ذلك بتشديد الامتحانات وزيادة المواد العلمية بل بجعل المدرسة بيئة انسانية آمنة ومشجعة اما حين تتحول المدرسة الى مكان ضغط وعقاب فانها تنتج حافظين مؤقتين لا متعلمين حقيقيين. ان اصلاح التعليم في العراق لا يبدا بتغيير المنهج الدراسي وحده ولا بزيادة صعوبة الاسئلة بل بتغيير تجربة الطفل اليومية داخل المدرسة. فالمدرسة الحقيقية تبدا بابتسامة عند بابها واذا احبها الطفل تعلم تلقائيا وتحسنت كل مؤشرات جودة التعليم. 


تابعنا على
تصميم وتطوير