
مع حلول شهر رمضان من كل عام، تمتلئ الشاشاتالتلفزيونية ومنصات العرض بكم هائل من المسلسلات والبرامج المتنوعة. يتنقل المشاهد بين القنوات ليجد نفسهأمام سيل من الأعمال الدرامية التي أُنفقت عليهاميزانيات ضخمة، وتُعرض في توقيت يُفترض أن يكونمساحة للسكينة والروحانية. وفي ظل ظروف خطيرة تمربها مجتمعاتنا، يزداد التساؤل حول دور هذه الأعمال، وهل هي مجرد ترفيه، أم أنها تحمل تأثيراً أعمق علىالوعي والسلوك؟ لم تعد الدراما مجرد قصص تُروىللتسلية، بل أصبحت أداة قادرة على تشكيل الصورةالذهنية للمجتمع. فطريقة عرض الشخصيات، وطبيعةالقضايا المطروحة، غالبا مايكون الأسلوب الذي تُقدَّم بهالعلاقات بين الشخصيات سواء كانت شرعية اوغيرشرعية، تخلو من البراءة وحسن النية، وجلها عناصرتسهم في ترسيخ أفكار غير مرجوة.
ففي المجتمعات التي تواجه تحديات سياسيةواقتصادية واجتماعية، كمجتمعنا العراقي، يتضاعفأثر الشاشة وتتعاظم خطورتها. فالمحتوى المعروضيتفاعل معه الواقع الهش والحساس، ما يجعل أي رسالةمهما بدت عابرة قابلة لإحداث أثرٍ عميق. والرسائلالإعلامية لا تأتي دائماً بصيغة مباشرة أو خطابصريح، بل كثيراً ما تتسلل عبر التفاصيل الصغيرة: فيرسم الشخصيات، وفي اختيار اللهجة، وفي طبيعةالسخرية، وفي الطريقة التي تُقدَّم بها فئة اجتماعيةدون غيرها. وكما يُقال، فإن الشيطان يكمن فيالتفاصيل.
الجهات التي تقف خلف كثير من الأعمال العراقيةالضخمة، خصوصاً تلك التي تُعرض في موسم رمضانوتثير جدلاً واسعاً، ليست جهات ساذجة أو عديمةالخبرة. إنها تدرك جيداً حدود الرقابة وآلياتها، وتعرفكيف تصوغ رسائلها بطريقة لا تمنح الرقيب سبباً قانونياً واضحاً للمنع، لكنها في الوقت نفسه تمررمضامين مثيرة للانقسام. وهنا تكمن المشكلة الحقيقيةفالمسألة لا تحتاج إلى لوائح جامدة بقدر ما تحتاج إلىوعي نقدي وبصيرة قادرة على قراءة ما بين السطور. إنمواجهة خطاب ملتبس تتطلب قدراً موازياً من الذكاءوالمسؤولية، وهو ما نفتقده أحياناً في آليات التقييموالمنع، هذا ان أحسنا الظن بهذه الاليات اصلاً.
وقد تجلّى هذا الإشكال بوضوح في أحد الأعمالالرمضانية الأخيرة التي أثارت موجة استياء واسعة، بعدما رأى كثيرون أنها قدّمت صورة نمطية ساخرةتنتقص من شريحة كبيرة من العراقيين، وتتعامل معهويتهم أو موروثهم الاجتماعي بوصفه مادة للتهكموالإثارة. الإشكال هنا لا يتعلق بحرية الطرح أو حقالعمل الفني في تناول شخصيات متنوعة، بل بطريقةالمعالجة التي بدت، في نظر المنتقدين، أقرب إلىالتعميم الجارح منها إلى النقد البنّاء.واللافت أن هذا العمل، رغم اعتماده على بيئة عراقيةوشخصيات محلية، لم يكن إنتاجاً عراقياً، بل جاء عبرشبكة إعلامية عربية كبرى مقرّها خارج العراق، وتتولىإنتاجه وبثّه. وهذه النقطة تفتح باباً مهماً للنقاش حولطبيعة الخطاب الإعلامي العابر للحدود، وحول الكيفيةالتي تُصاغ بها صورة المجتمع العراقي في منصات لاتنتمي إلى نسيجه الوطني بشكل مباشر. فحين تُقدَّمصورة مشوّهة أو مجتزأة عن فئة اجتماعية، فإن أثر ذلكلا يبقى محلياً، بل يمتد إلى تشكيل انطباعات أوسعلدى جمهور عربي وإقليمي.
وهذا ما يُذكّرنا بما يُروى عن بعض أهل الشام، حينبلغهم خبر استشهاد الإمام علي بن أبي طالب وهو فيمحرابه، فقالوا متعجبين: «أوَكان عليٌّ يُصلّي؟» فالخطاب الموجَّه والدعاية المغرضة تحجب الحقائق، وتُغيِّب أبسط المسلّمات عن أذهان الناس، فكيف بالعملاذا كان مخرجة ليس عراقيا اصلا! وكأن العراق خلا منمخرجيه ومبدعيه.
إن النقد هنا لا يستهدف جهة بعينها بقدر ما يدعو إلىتحمّل المسؤولية الأخلاقية في تمثيل المجتمعات. فالفن، حين يتحول إلى أداة لإثارة الجدل عبر المساس بكرامةفئات اجتماعية أو السخرية من خصوصياتها، يفقدجزءاً من رسالته الإنسانية. كما أن استسهال تقديمبعض الشرائح بوصفها مادة للنيل أو المبالغة، يرسّخصوراً نمطية يصعب تصحيحها لاحقاً. في ظل واقعنا الحساس، نحن أحوج ما نكون إلىأعمال تعزز التماسك الاجتماعي وتفتح نقاشات جادةحول أزماتنا، لا إلى محتوى يعمّق الانقسام أو يؤججمشاعر التهميش. فالمجتمع الذي يرضخ تحت ضغوطمتعددة لا يحتمل مزيداً من الاستقطاب الرمزي علىالشاشة. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إغلاق المنصات ومنعمكاتب القنوات أو مصادرة الأعمال، بل في انشاء رقابةمتمكنة وبناء ذائقة عامة أكثر وعياً، وفي ترسيخ معاييرمهنية وأخلاقية توازن بين حرية الإبداع واحترام التنوعالاجتماعي. وعندما تدرك تلك الجهات الظلامية أنبانتظارها جهة رقابية حقيقية، تصبح أكثر حرصاً علىتقديم محتوى يرتقي بالوعي بدلاً من أن يعبث بمجتمعناالعراقي الاصيل.