رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
منى سعيد رحلة صحفية صنعتها القراءة ونقلتها إلى العواصم العربية


المشاهدات 1041
تاريخ الإضافة 2026/02/25 - 10:22 PM
آخر تحديث 2026/02/26 - 1:31 AM

في ذاكرة الصحافة العراقية والعربية أسماء تركت أثرها بوضوح عبر عقود من العمل المهني والثقافي المتواصل ومن بين هذه الأسماء تبرز تجربة الصحفية والكاتبة والمترجمة  منى سعيد الطاهر  التي تنقلت بين العراق والأردن والإمارات وقطر حاملة معها شغف القراءة وصرامة المهنة ووفاءها للثقافة بوصفها خلاصا فرديا وجماعيا في هذا الحوار تستعيد منى سعيد محطات طفولتها في بابل وبداياتها الصحفية عام 1975 وتجربتها في الترجمة وأدب الأطفال ورحلتها مع العمود الصحفي والسيرة الذاتية ..
ـ كيف تتذكرين طفولتك في بابل عام 1955 وما أبرز المؤثرات التي شكلت وعيك الثقافي والإنساني في تلك المرحلة؟
ـ  وصفت طفولتي بتفصيل واسع في كتابي جمر وندا حين أعادتني الذاكرة إلى منزلنا المقابل لحديقة النساء على شط الحلة كانت العائلات الحلية تتنزه هناك بين الخضرة والورود وكأن المكان جنة صغيرة مفتوحة للناس جميعا أتذكر ذهابي إلى الروضة الوحيدة آنذاك بعربة الربل وإيقاع عجلاتها على الإسفلت وأتذكر أيضا غنائي أمام الصف لأغنيات عبد الحليم رغم صغر سني ثم انتقال عائلتي إلى بيت واسع في حي بابل بحديقته الغناء وطيوره المتنوعة وقربه من الشط حيث كان حارس المنزل يخرج الإوز صباحا ليسبح ويعود به ظهرا وسط ضجيج نقيقه أما المؤثرات الثقافية فكانت تبدأ من والدي الذي كان قارئا نهما ويمتلك مكتبة ضخمة وكان منزلنا يستضيف شخصيات ثقافية من الحلة ومن مدن أخرى بينهم الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد كل ذلك صنع وعيي الأول ورسخ لدي احترام الكلمة.
ـ متى بدأ شغفك بالقراءة والكتابة وهل كانت هناك شخصية أو كتاب أثر في توجهك نحو الصحافة والأدب؟
ـ  القراءة في بيتنا كانت طقسا يوميا رأيت والدي وإخوتي يحرصون عليها فالتقطت هذا الشغف مبكرا في الصف الخامس الابتدائي بدأت بقراءة كتب جبران خليل جبران وسلامة موسى ثم توسعت إلى منشورات دار التقدم والأدب المصري كنت أقرأ في العطلة الصيفية دون توقف حتى أكاد أنهي كتابا كل يوم أو يومين هذا الزاد المعرفي منحني أدواتي الأولى في الصحافة ثم قادني لاحقا إلى الأدب لم يكن هناك كتاب واحد بعينه بل كانت القراءة المستمرة هي المدرسة التي شكلتني.
ـ كيف جاءت فكرة دراسة اللغة الألمانية في جامعة بغداد وما الذي أضافته لك هذه الدراسة مهنيا وفكريا؟
ـ كنت أرغب بدراسة اللغة الإنجليزية لكن معدلي لم يؤهلني وكان القبول فيها آنذاك يتطلب درجات عالية جدا توجهت لدراسة الفرنسية لكن خال والدي الدكتور علي جواد الطاهر نصحني بدراسة الألمانية ربما لقلة المتخصصين فيها أو لكونها أسهل نسبيا وفعلا كانت نصيحته فارقة في حياتي المهنية فقد أتاحت لي لاحقا فرصة العمل مترجمة في جريدة الرأي الأردنية خلال التسعينيات أيام الحصار وكتبت مقالا بعنوان الترجمة أنقذتني من الجوع لأروي كيف وفر لي راتب بسيط موردا حمى عائلتي من العوز كما أن الترجمة فتحت أمامي نافذة واسعة على الفكر والأدب والعلم في أوروبا.
ـ بدأت العمل الصحفي عام 1975 في جريدة طريق الشعب بقسم المونتاج كيف كانت تلك التجربة الأولى وماذا تعلمت منها — كانت تجربة عظيمة وضعتني عند أولى عتبات الصحافة المهنية تعلمت الانضباط واحترام المعلومة والعمل بروح الفريق كنت أصغر الصحفيات سنا وتعلمت من كبار المثقفين والصحفيين الكثير كما تعلمت مهنة المونتاج في المطبعة حيث كنا نتعامل مع طباعة اللاينوتايب وهي خبرة مهنية اندثرت اليوم لكنها شكلت جزءا مهما من تكويني الصحفي.
ـ كيف تصفين مرحلة الثمانينيات خصوصا عملك في مجلات أدبية مثل آفاق عربية والأقلام والثقافة الأجنبية؟
ـ كانت الثمانينيات مرحلة نضج ثقافي رغم ظروف الحرب والرقابة الصارمة فقد ازدهر أدب عال حاول أن يمرر رسائله بذكاء عبر النصوص المدغمة تشرفت بالكتابة والترجمة في مجلات رصينة مثل آفاق عربية والأقلام والثقافة الأجنبية إلى جانب عملي في مجلة ألف باء كانت تجربة عمقت وعيي النقدي ومنحتني ثقة أكبر بلغتي وأسلوب كتابتي.
ـ توليت رئاسة قسم الترجمة في مجلة ألف باء عام 1985 كيف أسهمت الترجمة في تشكيل لغتك وأسلوبك؟
ـ كانت المجلة تتلقى أسبوعيا بريدا من باريس يضم أحدث المطبوعات الأوروبية بالإنجليزية والفرنسية والألمانية كنت أوزعها على المترجمات وأستعين أحيانا بمترجمي دار المأمون هذا الاطلاع المستمر على الجديد في الأدب والعلم منحني فرصة متابعة العالم لحظة بلحظة ترجمت أول حوار لغابرييل غارسيا ماركيز بعد نيله نوبل كما ترجمت موضوعات عن الخريطة الجينية وتلسكوب هابل هذه التجارب صقلت لغتي ومنحتني قدرة على الجمع بين الدقة العلمية واللمسة الأدبية.
ـ ما التحديات التي واجهتك كامرأة صحفية في العراق خلال تلك العقود؟
ـ  التحديات كانت سياسية واجتماعية ومهنية لكوني غير بعثية وزوجة شهيد شيوعي وعملت في وزارة الثقافة والإعلام تعرضت للملاحقة والنقل بين الدوائر لكنني وجدت أيضا أصدقاء وقفوا معي رغم الاختلاف السياسي أما التحديات الاجتماعية فقد تجاوزتها بإرادة قوية ووعي كامل بحقوقي المهنية.
ـ متى شعرت أنك انتقلت من مرحلة التجربة إلى مرحلة الاحتراف الحقيقي؟
ـ  شعرت بذلك بعد عملي في دار ثقافة الأطفال ثم في مجلة ألف باء وتوالي ترجماتي في المجلات الأدبية وعندما عملت مترجمة في جريدة الرأي الأردنية ثم كتبت في صحف خليجية مثل الاتحاد والبيان والخليج لاحقا انتقلت للعمل في الإمارات وقطر نحو عشرين عاما وتوليت مناصب مدير وسكرتير تحرير ومحرر ميداني عندها أدركت أنني دخلت مرحلة الاحتراف الكامل.
ـ لو طلبنا منك تلخيص فلسفتك المبكرة في الصحافة بكلمات قليلة ماذا تقولين؟
ـ أقول باختصار عملك أملك.
ـ كيف تقيمين تجربتك في الصحافة الإماراتية في صحف مثل الرؤية والاتحاد والخليج؟
ـ كان عدد الصحفيين العراقيين قليلا لذلك كان علينا أن نعمل بأقصى طاقتنا لإثبات جدارتنا المهنية وأن نتحلى بأخلاقيات عالية كتبت مرة مقالا بعنوان الغربة تقلم الأظافر لأصف فيه كيف يدفعنا الاغتراب إلى الانضباط والسعي الدائم للأفضل في الكتابة والسلوك.
ـ كتبت أعمدة ثابتة مثل قطرة ندا وأما بعد وعلى مرمى حجر ماذا يمثل لك فن العمود الصحفي؟
ـ العمود الصحفي بالنسبة لي ملح الصحافة لأنه يعبر عن التوجه العام للمؤسسة وصوت كاتبه الشخصي بدأت كتابة الأعمدة في الصفحات التي أدرتها ثم كتبت افتتاحيات لمجلات عدة وفي الخليج وفر لي عمود قطرة ندا موردا ماديا مهما حين لم أحصل على وظيفة ثابتة واستمرت تجربتي مع الأعمدة حتى كتابتي الحالية لعمود أما بعد في طريق الشعب.
ـ عملت في صحافة وأدب الأطفال كيف تختلف الكتابة للطفل عن الكتابة للكبار؟
ـ الكتابة للطفل عودة واعية إلى الطفولة مخاطبة للبراءة ومشاركة في دهشة الاكتشاف ترجمت ثلاثة كتب عن الألمانية للأطفال وكتبت قصصا صدرت في كتابين هما مظلتي والجبل يشتري بقرة كما توليت إدارة تحرير مجلة أطفال اليوم في أبوظبي بخبرة عراقية خالصة وعملت في قناة الجزيرة للأطفال في الدوحة حيث سعينا لإصدار مجلة تنافس ماجد لكن المشروع توقف لاحقا.
ـ كنت عضوا في لجنة تحكيم مهرجان القاهرة الدولي لسينما الأطفال عام 2010 ماذا أضافت لك هذه المشاركة؟
ـ كانت تجربة ثرية إذ شاهدنا يوميا عشرات الأفلام وكتبنا ملاحظاتنا بالإنجليزية منحتني خبرة نقدية أعمق في تقييم العمل الفني وأتمنى أن تتكرر مثل هذه التجارب في بلدي.
ـ أصدرت كتبا متنوعة بين السيرة والرواية وأدب الطفل أيها أقرب إلى روحك ولماذا؟
ـ كتاب جمر وندا هو الأقرب إلى روحي لأنه بوح صريح بتفصيلات حياتية دقيقة بشفافية عالية وقد اعتبرته الجامعة الأمريكية في بيروت أجرأ سيرة ذاتية نسائية في المنطقة وسجلت لي ثلاث ساعات إذاعية عنه كما كتب عنه عشرات المقالات النقدية أشعر أن هذا الكتاب يمثل خلاصة تجربتي الإنسانية والمهنية بكل ما فيها من ألم وأمل .


تابعنا على
تصميم وتطوير