
سخر المتنبي، الشاعر العربي الأشهر على مر العصور والدهور، من وعود كافور الأخشيدي حاكم مصر الذي كان وعده بولاية فلما أخلف وعده هجاه في قصيدته الشهيرة “عيد بأية حال عدت يا عيد .. بما مضى أم لأمر فيك تجديد؟”. ومن جملة أبيات القصيدة الأكثر لوعة للمتنبي البيت الذي يقول فيه “أصبحت أروح مثر خازنا ويدا .. أنا الغني وأموالي المواعيد”. وكافور الأخشيدي الذي خذل شاعرنا العظيم المتنبي مثله مثل عرقوب الذي إتخذه الشاعر كعب بن زهير مثلا في عدم الإيفاء بالوعود عبر بيته الشهير “كانت مواعيد عرقوب لها مثلا .. وما مواعيدها إلا الأباطيل”. وكعب مثلما هو معروف صاحب القصيدة الشهيرة في مدح النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ومطلعها ”بانت سعاد فقلبي اليوم متبول .. متيم إثرها لم يفد مكبول” التي يقول فيها عن النبي “إن الرسول لنور يستضاء به .. مهند من سيوف الله مسلول”. وبالعودة الى عرقوب فإنه بقي يعد أخاه ولم يفِ بأي وعد. وحين جاءه أخوه يطلب شيئا قال له إنتظر هذه النخلة لك حملها . فلما أخرجت “ طلعها “ أتاه ، فقال له : دعها حتى تصير “ بلحاً “ . فلما أبلحت أتاه فقال له : دعها حتى تصير “ زهدا”، فلما أزهدت قال له : دعها حتى تصير “رُطباً “. فلما أرطبت قال له : دعها حتى تصير “تمراً “. فلما أتمرت ، قام عرقوب بجذّها بالليل قبل أن يأتي أخوه في الصباح . فلما جاء أخوه في الصباح ليأخذ التمر لم يجد شيئاً، ولهذا قالوا فيه : مواعيد عرقوب. فأصبح عرقوب - ولايزال - مَضرِبَ المثل بالمطل وعدم الوفاء.
ما بين المتنبي المخذول من كافور وكعب بن زهير المخذول من عرقوب، يقف مواطننا العراقي الفقير طبقًا لسردية مرشحي ومرشحات الانتخابات في “منزلة بين المنزلتين” بلغة المعتزلة. فلا المتنبي حصل على ولاية من كافور حتى يمم وجهه شطر سيف الدولة الحمداني الذي كتب فيه وله أجمل المدائح وفي أمه وأخته أحر الرثاء، ولا كعب حصل على التمر من نخلة عرقوب. لنترك مطامع المتنبي الباحث عن السلطة والمجد بواسطه شعره الذي رفع فيه من رفع من الولاة والأمراء، ونبقى مع صديقنا عرقوب صاحب النخلة الذي يقدم المزيد من الوعود للناس وبخاصة الفقراء أيام الإنتخابات قبل أن تثمر النخلة، لكن ما أن تثمر النخلة سرعان ما تختفي على الأنظار لتحل محلها “تاهو” سوداء بزجاج مظلل وحمايات و”بودكاردية” و”كشخة ونفخة”.. فلا كعب أكل التمر حتى لو كان زهدياً، ولا المتنبي حصل ولو على مختار محلة، ولا الفقير أخذ أكثر من .. بطانية وشويه سبيس.