رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
بلاغاي .. جنة الدراويش


المشاهدات 2196
تاريخ الإضافة 2025/09/28 - 9:14 PM
آخر تحديث 2026/05/02 - 9:33 AM

كان منظر تكية بلاغاي، المطلة مباشرة على مجرى نهر بونا Buna أسفل الجبل الصخري العملاق، أشبه بلوحة فنية نسجها الخيال، فالنهر المحاط بأشجار التين والرمان ينساب صافياً كمرآة، منبعثاً من فجوة مظلمة تحت الجبل، وهي عين النبع الكبير الذي يُعدّ من أعظم ينابيع أوروبا. وداخل الكهف الصخري وحوله تتهادى قوارب الزائرين، وهم يتأملون هذا الجمال الطبيعي الخلاب، في جنة من جنان الأرض.
ركن أيمن سيارته الـ سكودا «Skoda New Superb» السوداء في موقف قريب من طريق يعلو تدريجياً حتى يصل إلى المدخل الخارجي للتكية، حيث يُمنع دخول السيارات باستثناء العاملين في المحال والمقاهي والمطاعم المنتشرة على طول الطريق الذي يطل على الحافة العميقة للنهر، حيث أحواض تربية الأسماك التي تجلب أنظار السيّاح والزائرين، والأكشاك التي تقدم المأكولات البسيطة والهدايا التذكارية. وعلى طول الطريق المرصوف بالحجارة القديمة، المؤدي صعوداً إلى بوابة التكية، تنتشر شجيرات مزهرة بالوردي تضيف لمسة من البهجة والعطر إلى الأجواء الروحانية. كما تتكرر لافتات خشبية مكتوب عليها بالخط العربي كلمة «هو» رمزاً صوفياً عميقاً يشير إلى رب العزة والجلالة. وعلى الجانب الأيسر، نافورة صغيرة منحوتة من الحجر الأبيض، تنساب منها المياه العذبة للشرب أو الوضوء، وتعلوها لوحة بيضاء كتب عليها أيضاً وباللون الأخضر لفظ « هو» أقدس الأذكار الصوفية. وفوق اللوحة يتدلى مصباح تقليدي أسود اللون، للدلالة على أن المكان ليس مخصصاً للتأمل النهاري فقط، بل يظل مضاءً في الليل ليستقبل الزائرين والذاكرين. فيما يظهر في الخلفية الجبل الصخري الشاهق، بألوانه الترابية الممزوجة بالخضرة، في تباين مدهش بين قسوة الصخر ورقّة الزهور. وفي نهاية الطريق تبدو البوابة البيضاء التي تقود إلى مبنى التكية الملتصق بالجبل، وكأنه حارس صامت لذاكرة المكان.
وقبيل الدخول إلى التكية، توقفتُ عند كشك صغير حصلتُ منه على مطوية تعريفية باللغة العربية، تشرح بالتفصيل تاريخ التكية وهندستها البوسنوية الإسلامية وأقسامها ووظائفها، وتستعرض الطرق الصوفية التي نشطت فيها، مثل البكتاشية، والخلوتية، والمولوية، والقادرية، والنقشبندية. كما تشير إلى أن أول مصدر مكتوب يذكرها أطلق عليها اسم «زاوية ساري سالتوك» أو «ساري صالتق بابا» وهو درويش بكتاشي من العلوية الأناضولية، ومن أكثر الشخصيات الأسطورية الصوفية شهرة في الثقافة العثمانية. عاش في القرن الثالث عشر، أي قبل بناء التكية بما يقرب من ثلاثة قرون، ويُروى أنه زار هذه المنطقة، وأن أثره الروحي ظل حاضراً فيها. ويُنسب إليه الفضل في نشر الإسلام بين شعوب البلقان عبر الدعوة السلمية والطرق الصوفية، حتى أصبح رمزاً روحياً يحظى بمكانة عالية عند المسلمين هناك. وتوجد مزارات متعددة منسوبة إليه في مناطق متفرقة، ويُقال - وفقاً للأساطير الشعبية وبعض الروايات – إن جثمانه دُفن في سبعة توابيت، أحدها في تكية بلاغاي، أو في قرية من قرى موستار.


تابعنا على
تصميم وتطوير