رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
لفت الأنظار لا إيصال الأفكار


المشاهدات 2208
تاريخ الإضافة 2025/09/27 - 10:35 PM
آخر تحديث 2026/07/19 - 5:27 PM

في زمن تتشابك فيه الأصوات أكثر مما تتلاقى، تتبدد فيه المسافات بين الحقائق والشائعات، ويغدو البريق الإعلامي هدفاً  بحد ذاته، تتحول بعض البرامج الحوارية إلى مسارح مفتوحة للصخب والفوضى بدل أن تكون منابر رصينة لتبادل الرأي، صارت هذه الشاشات، التي يفترض أن تبني جسور المعرفة وتعلي من قيمة الكلمة، حلبات صراع يتنافس فيها الضيوف على رفع الصوت لا على رقي الحجة، في مشهد يبعث على الأسى أكثر مما يثير النقاش.
من يتابع هذه البرامج يلمس بسهولة أن ما يعرض اليوم ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل استعراض يقترب من صراع الديكة ، حوارات تتعمد الإثارة وتغفل الجوهر، أصوات متقاطعة تكشف كل ما كان ينبغي أن يبقى في إطار الرأي الرصين، فتغدو التفاصيل مكشوفة حدّ الابتذال، وتتحول القضايا الجادة إلى عروض مشهدية منفّرة. إنها عملية اغتيال صامت لقيم التربية العراقية الأصيلة التي طالما قامت على الوقار واحترام الرأي، وتجاوز صارخ على الذوق العام الذي يفترض أن يصون المجال العام من الانحدار.
وما يزيد المشهد قسوة أنّ بعض الضيوف الذين يُستدعون لتلك البرامج لا يضيفون إلى الحوار سوى مزيد من الضوضاء. يتقنون فنّ إثارة الجدل أكثر من إتقانهم لفنّ النقاش، فيصبح هدف الظهور هو لفت الأنظار لا توصيل الأفكار، وكأن الكاميرا لم تُخلق إلا لتسجيل الاستفزازات. ومع هذا الأسلوب، ينشأ جيل يعتاد رؤية الخلاف بوصفه صراعاً  شخصياً لا ساحةً للبحث عن حلول، فتُشوَّه صورة الحوار البنّاء وتضيع الرسالة الإعلامية التي يُفترض أن ترتقي بالوعي.
من هنا تبرز الحاجة إلى مبادرة جادّة من أصحاب القرار في القنوات الفضائية ومديري الإنتاج ، “كفّوا عن استضافة من يحوّلون الشاشات إلى حلبة تناحر” ، وأعيدوا إلى المنابر الإعلامية هيبتها ودورها الأصيل في تثقيف الرأي العام وصناعة وعي مجتمعي راقٍ. كما حان الوقت لإدراج مواد دراسية تحمل عناوين مثل “الذوق العام” و“حب الوطن” في المناهج التعليمية، كي ينشأ جيل يوازن بين حرية التعبير وحتمية الاحترام، ويدرك أنّ الوطن أسمى من أي نزعة استعراضية أو انتماء ضيق.
اخيرا ،، إن العراق، بتاريخ حضارته وثراء هويته، أكبر من كل صراع إعلامي عابر. مصلحة الوطن يجب أن تظل البوصلة التي تهدي الخطاب السياسي والإعلامي على السواء. فلنضع جميعاً —إعلاميين ومواطنين وصنّاع قرار—مصلحة العراق فوق كل الاعتبارات والميول، ولنحفظ له صورة تليق بماضيه المجيد ومستقبله الذي نستحق أن نفخر به.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير