رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
التشكيلي عمرو الريس يكشف عن تجربته مع الفن العلاجي


المشاهدات 2770
تاريخ الإضافة 2025/09/21 - 8:41 PM
آخر تحديث 2026/04/11 - 8:24 PM

في قلب العراق الموجوع، حيث يتشابك ألم النزوح مع حلم العودة، يطل الفنان التشكيلي  عمرو الريس  كصوت أملٍ لشريحةٍ واسعة ضاقت بها الخيارات، لكنه وجد في اللون والفرشاة وسيلة ليس فقط للتعبير وإنما للشفاء والبناء. حوار صحفي يكشف الوجه الإنساني والمهني لهذا الفنان، بعيدا عن الأقمشة الزاهية وصخب المعارض، لينظر بعمق إلى الأثر الذي تُحدثه لوحاته بين الأطفال، المجتمع، والذات.
أهلا وسهلا بكم أستاذ عمرو وبودنا ان نبدأ الحوار بالسؤال التالي :
ـ  من هو عمرو الريس بعيداً عن الألوان واللوحات؟
*  أنا إنسان بسيط، لا أميل إلى الاستعراض، أُحب الحياة رغم ما فيها من ألمٍ وتعقيد. لا أبحث عن الشهرة، بل عن الصدق في التواصل، قرب من الناس، تفاعل إنساني عند كل لقاء. الفن بالنسبة لي ليس مجرد رسم، إنه شهادة، رسالة، التزام بالإنسانية قبل أي شيء آخر.
ـ كيف أثرت دراستك لإدارة الأعمال على شخصيتك ومسارك الفني؟
*  دراستي في إدارة الأعمال لم تكن مجرد تخصص أكاديمي؛ بل هي تدريب عملي للانضباط، التنظيم، التخطيط الاستراتيجي. هي التي منحتني قدرة على إدارة المشاريع الفنية، تنظيم المعارض، تنمية المبادرات المجتمعية، والرؤية المستقبلية. بدون هذا الأساس، لربما كان فني عاطفياً فقط، لكنه اليوم يعكس عقلية منتجة، مبنية على رسوخ فكري ومسؤولية مجتمعية.   
ـ ما هي الذكريات الأبرز من طفولتك التي دفعتك لاختيار الفن طريقاً لحياتك؟
* أتذكر أنني كنت أفرش جدران المدرسة وأكتب وأرسم، وألواني كانت طريقاً للهروب من الخوف والضجيج. حينما كبرت بعض الشيء، شعرت أن اللوحة تمنحني استقراراً نفسياً، أن هناك معنى عندما ترسم فكرة أو تستحضر صورة. تلك اللحظات البريئة، حينما يراني الآخرون مفتونا بما أصنع، هي التي رسخت اقتناعي أن الفن ليس فقط حرفة بل رسالة وجدانية.   
ـ حدثنا عن مشاركاتك المبكرة في عمان (2000-2003).
* عمان كانت نافذة للعالم؛ اشتغلت هناك بمعارض أولى، قابلت فنانين من مدارس متعددة، شاهدت كيف الفن يختلف من مكان لآخر ولكنه يبقى لغة مشتركة. تعلمت أن الجمال لا يُقاس فقط بالأسلوب بل بالصدق، وبأن تجربتي—رغم صغرها حينها—هي جزء من نسيج الثقافة العربية، لا يمكن أن تنفصل عنه.
ـ  ماذا يعني لك العمل مع الأيتام وتدريبهم على الرسم طوال سبع سنوات؟
*  إن العمل معهم لم يكن مهمة تعليم فحسب، بل إنقاذ روح. الأيتام يحملون الكثير من الفراغ النفسي، من الابتعاد، من الحزن. الرسم بدد ذلك لبعضهم، كان متنفسا، مساحة يشاركون فيها أحلامهم، آلامهم، يفرغون ما في الداخل. رؤية طفل يتيم يسلم فرشاته بثقة، برسم يمثّل له معنى، كانت—ولازالت—من أجمل لحظات حياتي الفنية.
 ـ  كيف أثرت خبرتك في مستشفى ابن الرشد للطب النفسي؟
* هناك رأيت أن اللوحة تُعبّر حين تبوح الكلمات بالعجز. المرضى الذين لا يستطيعون الحديث يجدون في اللون والتشكيل وسيلة تلقائية للتعبير. هذا علّمني أن الفن ليس ترفاً، إنه علاج، وسيلة لانتشال الإنسان من عزلته، حتى ولو بكلمة، بل حتى ببقعة لون.
 ـ ما هو الموقف أو اللحظة التي تعتبرها نقطة تحول في حياتك؟
* أول تكريم وطني تلقيته كان من أولى اللحظات التي شعرت فيها أنّ الطريق ليس حلماً سخيفاً، أنه يُرى ويُقدَّر. ولكن ربما أهم من ذلك ابتسامة طفل يتيم بعد أن أنهى لوحة بسيطة؛ تلك الابتسامة كانت تقول لي إنّ الرسالة وصلت، وأن الفن يمكن أن يزرع أمل، حتى في أحلك الظروف.
 ـ  ما هي القيم التي تحرص على نقلها للجيل الجديد؟
* الصدق، التواضع، قبول الآخر، العمل بجد، استخدام الفن ليس للمظاهر بل للإفادة. أن يكون الفنان خادماً لقيم إنسانية، لا يُلهيه التفاخُر، بل يُذكّره دوماً أن اللوحة ربما تُغيِّر نفساً، قد تُبدِّل نظرة، قد تُحرّك مجتمعاً.
ـ  كيف تصف تفاعلك مع المجتمع الثقافي؟
*  أحاول أن أكون جزءاً لا شريكاً هامشياً. أشارك في المعارض، في الندوات، في الورش؛ لا أخاف النقد؛ بل أعتقد أن المرآة، وإن كانت مؤلمة، فهي ضرورية. الفنان يجب أن يرى واقعه، أن يقترب من هموم الناس، لا أن يظل في صالات العرض المتلألئة وحدها.
ـ  إلى أي مدى تعكس التكريمات مسيرتك الحقيقية؟
* التكريم شرف كبير، ولكن لا يُقيّم المسيرة وحده. المسيرة الحقيقية تُقاس بالأثر: هل لوحاتي والوِرَش التي درّبت فيها الأطفال غيّرت نظرة، حفّزت على الإبداع، أوقفت خرافة؟ هذا الأثر هو ما أعتبره تكريماً حقيقياً، مثلما أن عدد من الصغيرات والصغار يرون بأنفسهم فنانين بسبب ما تلقّوه مني، هذا هو التقدير الذي لا يُشترى.
ـ  ما فلسفتك في استخدام الألوان؟
*  اللون عندي ليس زخرفة؛ هو معجم معنوي. أستخدمه لأدل على الشعور، ليكشف الغياب والحضور، الألم والأمل. الواقعية تعطيني الأساس، لكن التعبيرية تسمح لي بأن أمزج بين الحس الرمزي والحقيقي. اللون القوي، الظلال، الضوء، كل ذلك للتأكيد على أن اللوحة ليست مجرد منظر، بل تجربة.
ـ  كيف تختار مواضيع لوحاتك؟
*  المواضيع تأتي من الواقع والوجع والفرح. أحياناً أُلهَم من مشاهد النزوح، الأطفال الذين يعيشون اللحظة دون أمل يُشكلون مَشهدًا. أحيانًا من الخيال، من الذكريات، من الأحلام التي لا تزال تراودني. الموضوع لا يُختار، بل يفرض نفسه؛ لا أبحث عنه، إنما يستيقظ بداخلي حين أرى صورة تجمع بين الظلم والجمال.
ـ  ما الذي يميز مشاركتك في “معرض الواقعية العراقية الأول”؟
*  كان المعرضُ إعلاناً أن الواقعية لا تزال تنبض، رغم تيارات التجريد والتجريب. مشاركتي فيه لم تكن فقط لتأكيد الهوية الفنية، بل لتأكيد أن التصوير الحقيقي من واقع الإنسان، من جوهر تجربته، ليس بدعة من الماضي، بل استمرارٌ لنداء وجداني. الواقعية تعني الصدق بالقدر الذي يستطيع فيه الفنان أن يرى الجرح ويعرضه، لكن لا يخجل منه.
ـ  كيف ترى دور الفن التشكيلي في معالجة قضايا مثل الإرهاب والخرافة؟
*  الفن هو ضوء في ظلام الخرافة، هو صوت العقل أمام الصمت. الخرافة تُسحب الأطفال بعيدا، تُجمّد ذواتهم. وأنا رأيت في مخيمات النزوح كيف يسحب الأطفال إلى الخرافة كأنه لا بديل. فقررت أن أُهدم الخرافة من خلال الثقافة؛ أن أصنع ورشاً، معارض، تعليمًا مجانياً للأطفال، حتى يوم الجمعة أخصّه للأيتام. لأن الفن الحقيقي ما بين الظل والنور، بين اللون والتكوين—يعيد للإنسان إنسانيته.
ـ  ما هي أهم التحديات التي واجهتك كفنان في العراق؟
*  التحديات كثيرة: ضعف الدعم المؤسسي، قلة التمويل، تأخر البنى التحتية للمعارض، الحالة الأمنية، البيروقراطية. لكن أصعب شيء هو أن لا يراك الآخرون، أن تشعر بأن صوتك يضيع. تغلبت على هذا بالإصرار، بالعمل الدؤوب في الظل، بالمبادرات الذاتية من دون انتظار الدعم الكامل. أيضاً، الشعور بأنه ليس لي شبر أرض أملكُه دائماً بثبات، أن تضطر أن تعمل وتنتظر التقدير من جهات لا تراعي الظرف.
ـ  كيف تقيم علاقة الفنان بالجمهور اليوم؟
*  الجمهور عطشان للحقيقة والجمال، لكن الجمهور أيضاً منصهر بخيبة الأمل، بالخداع، بالإعلانات التي تُقنّع بأنها فن. الفنان الآن عليه مسؤولية كبيرة أن يكون أميناً، أن لا يخدع، أن لا يروّج لشيء مزيّف. العلاقة يجب أن تكون تواصل مباشر، أن تُسقَمّ أعمالك في حياة الناس، في الشارع، في المدارس، في المخيمات، ليس فقط في غاليريات.
ـ  أيّ المعارض الأقرب إلى قلبك ولماذا؟
*   المعارض التي كنتُ أقيمها مع الأطفال والأيتام؛ حينما أرى لوحاتهم، التعبير الخام، الرغبة في أن يرى الآخر جمال ما رسموه. هذه المعارض لا تُعرض فيها الألوان فقط، بل تُعرض أرواح. إنها المعارض التي تملؤها الأصوات والقصص قبل أن تملأها اللوحات.
ـ  كيف توظف الفن كوسيلة دعم نفسي واجتماعي؟
*  عبر ورشات صممتها خصيصاً كمساحات آمنة، لا يُحكم فيها على أحد. يسقط القلم على الورق كالعذاب الداخلي، يُبرّأ جزء من الجرح. مع النازحين، مع المرضى، مع اليتامى وجدت أن الفن يُعيد بناء الذات، يُهدّئ النفس، يعطي بصيص أمل. الفن العلاجي ليس مجرّد مصطلح؛ هو ممارسة يومية مؤمنة بها.
ـ ما هي مشاريعك المستقبلية؟
*   أعمل على معرض شخصي يوثق تجربتي مع الأيتام والنازحين؛ عسى أن يجمع بين الجمال والواقع، وأن يكون ريعه دعماً لمن لا يملك. أريد أن أصدر كتاباً يوثق تجربتي الميدانية في الفن العلاجي، أحكي فيه ليس فقط عن الألوان والرسم، بل عن تأثير اللوحة على نفس طفل، على روح إنسان تهجمت عليها المصاعب. أيضاً لدي مشروع أكاديمي: تأهيل فنانين شباب ليكملوا المسيرة، يزرعوا الجمال في القرى والمدن التي لا تصلها فكرة الفن غالباً. عمرو الريس ليس فقط فناناً يرسم لوحات؛ إنه يبني في الأجيال، يقاوم الجهل والخوف والرعب باستخدام جمالٍ هادئ وسلاحٍ صامت: فرشاة وقماشة ولون. في بلدان يُمسك فيها الخوف بالروح، يكون الفن أنقى أشكال الثورة، وثقافته أقوى من أي ترسانة دفاعية. عمرو الريس اختار أن تكون مقاومته مستمرة، أن تكون لوحاته دعوة، أن يكون اللون رسالة، وأن يكون الإنسان الوسطى، لا خلف  الأضواء بل أمامها، بقلبٍ مفتوح.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير