رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الفن والسلطة الرابعة


المشاهدات 1824
تاريخ الإضافة 2025/08/17 - 9:24 PM
آخر تحديث 2026/04/29 - 3:24 PM

يُعدّ الفن والإعلام جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، فهما بمثابة مرآة تعكس واقع المجتمع، ومن خلالهما نتعرّف على ثقافات الشعوب وطبيعة حياتها. فالمجتمع الخالي من الفن والإعلام النزيه، لا يمكن وصفه إلا بـ المجتمع المتخلف، الذي تسوده روح الهمجية والتعصّب فكل منهما يمثل قوة في توجيهه المجتمع واكسابه الوعي وتوجيهه الرأي العام. 
كلاهما - الفن والإعلام - زهرتان تُضفيان الجمال والعطر على ما حولهما، ففي الكوميديا والفن والإعلام، تكمن روح الإنسانية والانفتاح، وإزالة التعقيد والانغلاق.
كل الشعوب المتطورة نجد فيها فنًا وإعلامًا واعيًا، يحاكي الواقع، ويشخّص مكامن الألم في المجتمع. وكل نظام يريد أن يُكتب له البقاء، عليه أن يعتني بهذين المجالين، لأن لهما سلطة قوية في تغيير فكر المجتمع.
إنها سلطة غير مباشرة، تمتد إلى العقل والعاطفة، وتُكسب المجتمع سلوكيات دون أن يشعر. وهذا السلاح الفكري أخطر من السلاح المادي، لأن الأخير يمكن حصره ومواجهته، بينما الفكر ينتشر دون حدود.
الفن وتأثيره على المجتمع
من هذا المنطلق، يمكننا أن نتساءل: هل للفن - كالموسيقى والتمثيل - تأثير سلبي على المجتمع؟
نعم، للفن أثر بالغ؛ إذ يمكن استخدامه لإيصال فكرة معينة أو التعبير عن واقع ما. لكن، في كثير من الأحيان، يُساء استخدامه، كما نرى مؤخرًا في بعض الأعمال الدرامية التي تعكس صورة سلبية وغير واقعية عن المجتمع.
مثال على ذلك: مسلسل «بيت الطين»، الذي مُنِع لاحقًا من العرض على بعض القنوات، لأنه أساء لفئة من المجتمع، وصوّر الشخصية الريفية بشكل ساذج ومبسط، حتى بدت غير قادرة على الحديث أو التعبير، ما خلق صورة نمطية مشوهة عن الريف، وأدى إلى روح من التنمر على هذه الطبقة.
هذا النوع من الفن يُعدّ مُعلِّمًا غير مباشر للمجتمع، يُغذّي العقول بانطباعات سلبية، ويُشكّل وعيًا خاطئًا لدى الجمهور.
البرامج الكوميدية والتأثير السلبي
ومثال آخر: البرنامج الكوميدي «أكو فد واحد»، الذي عُرض لسنوات طويلة، وكان ينتظره الجمهور كل أسبوع بشغف. ورغم طابعه الترفيهي، إلا أنه بمرور الزمن، ساهم في نشر سلوكيات سلبية، وأثر على المجتمع بشكل عميق، حتى أصبح يبكي الناس أكثر مما يُضحكهم.
أنا شخصيًا كنت أحد طلاب الثانوية حينها، ثم انتقلت إلى الجامعة، وخلال تلك الفترة لاحظت أن الأساتذة أصبحوا أكثر حذرًا وخجلًا، خشية الوقوع في الخطأ أمام الطلبة. كما أن الطالب المتفاعل في الدرس أصبح مكبوحًا على نفسه، لأن الخطأ البسيط قد يؤدي إلى السخرية والاستهزاء، كما يحدث في ذلك البرنامج.
هذا السلوك انتقل من الشاشة إلى الواقع، فظهر في المدارس، ثم إلى المؤسسات التعليمية، والمجالس العامة، وحتى بين الطبقات المثقفة. واستمر التأثير السلبي حتى توقف البرنامج، فبدأت تلك السلوكيات تضمحل تدريجيًا.
كل هذا ناتج عن غياب الثقافة المجتمعية النقدية، واستعداد الناس للتفاعل مع السلبي أكثر من الإيجابي. لذلك، لا بد من دراسة أي عمل تمثيلي أو كوميدي قبل عرضه، وكذلك مراجعة مضمون الموسيقى والغناء.فالغناء عادةً ما يُعبّر عن الفرح والسرور، لكن ما نراه في مجتمعنا أنه يغلب عليه طابع الحزن والبؤس، ما يدفع الكثير من المراهقين والشباب إلى الاكتئاب، بل والانتحار أحيانًا، نتيجة التأثر بهذا الجو الحزين.
السلطة الرابعة وتأثيرها
أما الإعلام، أو ما يُعرف بـ السلطة الرابعة، فقد كان له الدور الأبرز في تلميع بعض الأمور السلبية، وإظهارها بمظهر إيجابي، أو الترويج لأفكار تخدم جهات معينة.
في المجتمعات التي يسود فيها الصراع الفكري والعقائدي والسياسي، يكون الإعلام هو السلاح الأقوى، ولم يعد الإعلام مقتصرًا على الصحف والتلفاز، بل تعددت صوره ومصاديقه، وظهر على منصات التواصل والمواقع المختلفة. كل فرد اليوم يمكن أن يكون إعلاميًا إذا أراد ذلك، ويستطيع تحريك الرأي العام نحو فكرة معينة. وفي مجتمع يغلب عليه الطابع العاطفي، يكون هذا السلاح أكثر خطورة، لأنه يوجّه العقول بالعاطفة، لا بالعقل والمنطق.
لذلك، لا بد لأي نظام يريد له الاستمرار من أن يسيطر على سلاح الفن والإعلام، ويوجهه التوجيه الصحيح، بما يخدم المجتمع، ويحافظ على وعيه، ويمنعه من الانحلال والضياع.


تابعنا على
تصميم وتطوير